تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
الثّلاثة المشهورة ، بل الاثنان - أعني : البعد والسّطح - وأصحاب كلّ منهما يدّعون تحقّق الأمارات المذكورة فيما ذهبوا إليه ، ولا نزاع في تحقّق الأمارة الثّانية والرّابعة في كلّ منهما ، إنّما النّزاع في تحقق الأولى والثّالثة . وأصحاب البعد يدعّون تحقّقها في البعد دون السّطح ؛ قالوا : فإنّ النّاس كلّهم يحكمون بأنّ الماء في ما بين أطراف الإناء ، ويريدون بها أطرافه الدّاخلة لا الخارجة ، وما بين أطرافه الدّاخلة هو البعد لا سطحه الباطن ، إذ هو عينها . وأيضا يقولون : إنّ المكان كالإناء فارغ وممتلي ، ويريدون الدّاخلة للخارجة ، وما بين أطرافه الدّاخلة هو إلى البعد الّذي في باطنه ، ولا يقولون إنّ السّطح فارغ وممتلي ، بل يتحاشّون عن ذلك جدّا . وأصحاب السّطح يقولون : إنّ هذا مبنيّ على عادات الجمهور ، وليس بحجّة في الأمور العقليّة ، على أنّهم يقولون فيما بينهم : أنّ الماء في الجرّة ، والجرّة مملوّة منه ، ولا يعرفون حال البعد ، الّذي تدعونه ، بل يصفون الحاوي بهذه الصّفة ، والحاوي أشبه بالبسيط منه بالبعد ، فإنّ البعد لا يحيط بشيء ، فلذلك لا يتحاشّون أن يقولوا إنّ الجرّة مملوّة . وربّما توقّفوا أن يقولوا : إنّ البعد الباطن مملوّ ، والجرّة اسم لجوهر الخزف المعمول على شكل البسيط الباطن للمحيط ، ولو كان البسيط يقوم بنفسه لكان مقام هذه الجرّة ، ولكانوا يقولون في البسيط ما يقولون في الجرّة .