النّقلة ، بل إنّما ذلك مفارقة شيء كان الجسم فيه ثمّ استبدل به ، وهو الّذي تسميّه مكانا .
ومنها : وجود التّعاقب : فإنّا نشاهد الجسم يكون حاضرا ، ثمّ نراه غائبا ، ونرى جسما آخر حضر حيث هو ، مثلا قد كانت جرة فيها ماء ثمّ حصل بعده فيها هواء أو دهن ، والبديهة توجب أنّ هذا المعاقب عاقب شيئا وخلفه في أمر كان لذلك الشّيء أولا ، وكان الأوّل مختصّا به ، والآن فقد فاته ، وذلك لا كيف ولا كمّ في ذات أحدهما ولا جوهر ، بل الحيّز الّذي كان الأوّل فيه صار الآخر فيه .
ومنها : أنّ النّاس كلّهم يعقلون أنّ هنا فوق ، وأنّ هاهنا أسفل ، فليس يصير الشّيء فوقا وأسفل بجوهر له أو كم أو كيف فيه أو غير ذلك ، بل بالمعنى الّذي يسمّى مكانا ، وحتّى أنّ الأشكال التّعليميّة لا تتوهم إلّا أن تتخصّص بوضع وحيّز ، ولولا أنّ المكان موجود ومع وجوده ليس بنوع ولا فصول وخواصّ ، لما كان بعض الأجسام يتحرّك طبعا إلى فوق ، وبعضها إلى أسفل .
قالوا : وقد بلغ من قوّة أمر المكان أنّ التّخيّل العامي بمنع وجود الشّيء لا في مكان ، ويوجب أنّ المكان أمر قائم بنفسه يحتاج أن يكون معدّا حتّى توجد فيه الأجسام .
ولمّا أراد استودوس الشّاعر أن يقول شعرا يحدث فيه عن ترتيب الخلقة لم ير أن يقدّم وجود المكان شيئا ، فقال : إنّ أوّل ما خلق اللّه تعالى
شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام — صفحة 199
مساهمون: عبد الرزاق اللاهيجي
ص١٩٩