تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام — صفحة 575

مساهمون:

ص٥٧٥
إذا عرفت ذلك فنقول : كلّ ما يتصوّر أنّه مخالف للعقل ، أو العلم فسببه ، هو الاعتماد على الظّهور البدئيّ لا النهائيّ ، فلو قام الإنسان بالامعان في الآية ، أو الحديث ، ووقف على الظّهور النهائيّ لما وجده مخالفا لما يحكم به العقل ، أو أثبته العلم . ولنأت بمثال : قال سبحانه :
وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا
« 1 » . ومن المعلوم أن الظّاهر البدائيّ يثبت أنّ من كان في الدّنيا أعمى وإن كان مؤمنا متدّينا قائما باللّيل وصائما في النّهار ، فهو يحشر يوم القيامة أعمى . وهذا الظّهور ظهور بدائيّ ، تصوريّ ، لا جمليّ ، ولا تصديقيّ . ولكن لا محيص من رفض هذا الظّهور الأفراديّ ، والأخذ بالظّهور التّصديقيّ ، وذلك بقرينة قوله سبحانه :
لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ
« 2 » . فهذه القرآئن تدلّ على انّ المراد من الأعمى هو مكفوف البصيرة ، لا مفكوف البصر . إذا عرفت هذه الأمور الثّلاثة ، يتبيّن لك عدم صحة قولهم من « لزوم تأويل كثير من الآيات والرّوايات لأجل مخالفتها العقل والعلم » . وذلك ، لأنّ مصبّ المخالفة إنّما هو الظّهور البدائيّ ، وما هو الحجّة هو الظّهور النّهائيّ ، وعلى الثّاني لا تجد أو قلّما تجد ظهورا مخالفا للبرهان والتّجربة . ولو فرضنا وجود تلك المخالفة ، فالأمر يدور بين أمرين : 1 . إمّا أن يكون فهمنا من الكتاب والسّنة خاطئا فيجب امعان النّظر والدّقة في القرآئن
هامش
( 1 ) . الاسراء : 72 . ( 2 ) . الأعراف : 179 .
شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام — صفحة 575 | عبد الرزاق اللاهيجي / اسد عليزاده