وأمّا تخصيص لفظ " الأيدي " في هذا المقام دون سائر الأعضاء ، فهو لأجل أنّ الإنسان ينسب عامّة أفعاله إلى يده ، حتّى ما ارتكبه بلسانه ورجله ، ولذلك يقول سبحانه تنديدا بالعصاة وبعامّة جوارحهم
ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
« 1 » .
وهذا النّوع من التّأويل ، عبارة عن تأويل المتشابه الوارد في قوله سبحانه :
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ
« 2 » .
والآية باعتبار ظهورها البدئي يخالف العقل لا بظهورها النّهائي ، كما سيوافيك تفصيله .
وأما الثّاني : أي رفع الابهام عن الفعل ، فهو كما في العمل الّذي ارتكبه مصاحب موسى في البحر وخارجه ، حيث خرق السّفينة مرّة ، وقتل نفسا زكيّة أخرى ، وأقاما جدارا ثالثة ، فالكلّ كان مغمورا في الابهام .
لماذا خرق السّفينة ؟ ! مع أنّه ربّما ينجرّ إلى غرق الرّاكبين .
ولماذا قتل نفسا زكيّة بغير نفس ؟ !
أو لماذا أقام جدارا لا صلة له به ، ولم يأخذ عليه أجرا ؟ !
فقام المصاحب برفع الابهام عن أفعاله فقال بعد ما رفعه :
ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً
« 3 » .
وأما الثالث : أي رفع الابهام عن الرّؤيا ، فقد ورد لفظ التّأويل في سورة يوسف في عدّة موارد ، والمراد من هذا التّأويل هو إرجاع الرّؤيا إلى واقعها ، حيث أنّ النّائم يرى في ظلّ النّفس المجرّدة صور الواقعيّات والحقائق على ما هي عليها في الماضي والمستقبل ، ولكن النّفس تتصرّف فيما تراه إلى أن يستيقظ النّائم ، فعند ذلك يقوم المؤوّل بإرجاع الرّؤيا الّتي بقيت في نفس
هامش
( 1 ) . آل عمران : 182 .
( 2 ) . آل عمران : 7 .
( 3 ) . الكهف : 82 .