قال الشيخ في الشّفاء : « إنّ الموجود ، والشّيء ، والضّروري ، معانيها ترتسم في النّفس إرتساما أوّليا ، ليس ذلك الإرتسام ممّا يحتاج إلى أن يجلب بأشياء أعرف منها .
فإنّه كما أنّ في باب التّصديق مبادئ أوّلية ، يقع التّصديق بها بذاتها ، وبغيرها بسببها ، وإذا لم تخطر بالبال أو لم يفهّم اللّفظ الدّال عليها ، لم يمكن التّوصل إلى معرفة ما يعرّف بها ، وإن لم يكن التّعريف الّذي يحاول إخطارها بالبال أو تفهيم ما يدلّ به عليها من الألفاظ تعريفا محاولا لإفادة علم ليس في الغريزة ؛ بل منبّها على تفهيم ما يريده القائل .
وربما كان ذلك بأشياء هي في أنفسها أخفى .
كذلك في التّصوّرات أشياء هي مبادئ التّصوّر وهي متصوّرة بذواتها .
وإذا أريد أن يدلّ عليها لم يكن ذلك بالحقيقة تعريفا لمجهول ، بل تنبيها وإخطارا بالبال ، باسم أو بعلامة ، وربّما كانت في نفسها أخفى منه ، لكنّها لخصوصية ما يكون أظهر دلالة .
فإذا استعملت تلك العلامة تنبهت النّفس على إخطار ذلك المعنى بالبال ، من حيث انّه هو المراد لا غيره ، ولو كان كلّ تصوّر يحتاج إلى أن يسبقه تصوّر قبله لذهب الأمر في ذلك إلى غير النهاية أو لدار .
وأولى الأشياء بأن تكون متصوّرة لأنفسها الأشياء العامّة للأمور كلّها ، كالموجود ، والشّيء والواحد وغيره .
ولهذا ليس يمكن أن يبيّن شيء منها ببيان لا دور فيه البتة ، أو ببيان شيء أعرف منها .
شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام — صفحة 109
مساهمون: عبد الرزاق اللاهيجي
ص١٠٩