وقال أيضا يمدحه ويذكر نسوة بني كلاب [ من البسيط ] :
قد ضجّ جيشك من طول القتال به * وقد شكتك إلينا الخيل والإبل
وقد درى الروم مذ جاورت أرضهم * أن ليس يعصمهم سهل ولا جبل « 1 »
في كلّ يوم تزور الثغر لا ضجر * يثنيك عنه ، ولا شغل ، ولا ملل
فالنفس جاهدة ، والعين ساهرة ، * والجيش منهمك ، والمال مبتذل
توهّمتك كلاب غير قاصدها * وقد تكنّفك الأعداء والشّغل
حتى رأوك أمام الجيش تقدمه * وقد طلعت عليهم دون ما أملوا
فاستقبلوك بفرسان أسنّتها * سود البراقع والأكوار والكلل « 2 »
فكنت أكرم مسؤول وأفضله * إذا وهبن فلا منّ ولا بخل
ويقال : إن سيف الدولة غزا الروم أربعين غزوة له وعليه ، فمنها أنه أغار على زبطرة وعرقة وملطية ونواحيها فقتل وأحرق وسبى ، وانثنى قافلا إلى درب موزار فوجد عليه قسطنطين بن فردس الدمستق فأوقع به وقتل صناديد رجاله ، وعقب إلى للدانه وقد تراجع من هرب منها فأعظم القتل وأكثر الغنائم ، و [ قد ] عبر الفرات إلى بلد الروم ، ولم يفعله أحد قبله ، حتى أغار على بطن هنزيط ، فلما رأى فردس بعد مغزاه وخلو بلاد الشام منه غزا نواحي أنطاكية ، فأسرى سيف الدولة يطوي المراحل : لا ينتظر متأخرا ، ولا يلوي على متقدم ، حتى عارضه بمرعش ، فأوقع به وهزمه ، وقتل رؤوس البطارقة ، وأسر قسطنطين بن الدمستق ، وأصابت الدمستق ضربة في وجهه ، وأكثر الشعراء في هذه الوقعة ، فقال أبو الطيب [ من الطويل ] :
لكلّ امرئ من دهره ما تعوّدا * وعادات سيف الدولة الطّعن في العدا
هامش
( 1 ) يعصمهم : يمنعهم ويحميهم .
( 2 ) البراقع : أقنعة تستر بها النساء وجوهها . والأكوار : جمع كور وهو الرحل ، والكلل : الحالة .