إذا قلت اني مشتف بلقائها * فحم التلاقى بيننا زادني سقما
فقال : أحسنت واللّه ، أقضوا دينه .
وكان في صحابة المهدي رجل يعرف بالثقفي البصري ، وكان أبو عبيد اللّه له مستثقلا ، وكان محبا لان يضع منه . فتكلم الثقفي يوما فلحن ، فقال له أبو عبيد اللّه : أتجالس أمير المؤمنين بالملحون من الكلام ؟ أما كان يجب عليك أن تقوّم من لسانك ! فقال له الثقفي : انما يحتاج إلى استعمال الاعراب في جميع الكلام ، يا أبا عبيد اللّه ، المعلمون ، لينفقوا عند من التمسهم لتعليم ولده ، يعرض بأبي عبيد اللّه ، لأنه كان معلما في أول أمره . فضحك المهدي حتى غطى وجهه .
ولما حال الحلول على المهدي في الخلافة ، تقدم إلى أبي عبيد اللّه بمناظرة عيسى بن موسى ، على أن يخلع نفسه من ولاية العهد ، فناظره وقال له : أن المنصور قدم المهدي عليك وعوضك ، فان أخرجت نفسك من هذا الامر عوضك المهدي ما هو أنفع لك ، وأبقى عليك ، وان أبيت استحل منك المحظور ، بمعصيتك وخلافك أمره ، وقد لزمتك طاعته ، ووجب عليك القبول منه . فسارع إلى الإجابة إلى خلع نفسه ، فعوض عشرة آلاف ألف درهم ، وكتب أبو عبيد اللّه عن المهدي بذلك ، وبتقليد الهادي موسى العهد إلى الآفاق ، فقال بعض الشعراء :
كره الموت أبو موسى وقد * كان في الموت نجاة وكرم
خلع الملك وأضحى لابسا * ثوب لوم لا ترى منه القدم
ولما حج المهدي بعد عقد البيعة لموسى خلفه ببغداد خليفة له ، وضم يزيد بن منصور خال المهدي مدبرا لامره ، وقلد كتابته ووزارته أبان بن صدقة وذلك في سنة ستين ومائة ، وقلد عمر بن بزيع دواوين الأزمة ، في سنة اثنتين وستين ومائة . وقد قيل إن المهدي أول من أحدثها .
قال عبد اللّه بن الربيع : سمعت مجاهدا الشاعر يقول :
عمر بن بزيع وعمارة بن حمزة :
خرج المهدي متنزها ومعه عمر بن بزيع ، فانقطعا عن المعسكر في طلب الصيد ، فأصاب المهدي جوع ، فقال لعمر بن بزيع : ويحك ! هل من شيء ؟ قال : ما من شيء ، قال : فاني أرى كوخا ، وأظنها مبقلة ، فقصدا قصده ، فإذا نبطي في كوخ ، وإذا مبقلة ، فسلما عليه ، فرد السلام ، فقال : هل عندك شيء نأكل ؟ قال : عندي ربيثاء وخبز شعير . فقال له المهدي : ان كان عندك زيت فقد كمل قال :
نعم ، قال : وكراث ؟ قال : نعم ، وعندي تمر ، وعدا نحو المبقلة ، فجاء ببقل وكراث وبصل ، فأكلا أكلا كثيرا وشبعا ، فقال المهدي لعمر بن بزيع :
قل في هذا شعرا ، وكان يعرف بقرض الشعر ، فقال :