في أمر أبي عبيد اللّه ؟ فقال : يا بني ، هذا رجل مكين من صاحبه ، وقد وقع في نفسه علينا شيء ، ولم آمن أن يرقى اليه شيء عنا لا أصل له ، فيقبله ويصدقه ، فأردت أن أظهر ما بيننا وبينه ، فان ادعى علينا شيئا حمله على ما عرفه بيننا .
وركب أبو عبيد اللّه يوما فوقف له الناس ، وكان فيمن وقف يحيى ابن خالد ، في جماعة منهم مالك بن الهيثم ، ومعاذ بن مسلم ، فلما طلع أبو عبيد اللّه رموا بأنفسهم عن دوابهم ، ووقف يحيى على ظهر دابته ، فلما رآه أبو عبيد اللّه أعرض عنه ، وأقبل بطرفه على عرف دابته ، ولم يلتفت إلى يحيى . قال : فلما رأيت ذلك حركت اليه حتى لحقته ، فقلت : يا أبا عبيد اللّه أبقاك اللّه ! قد علمت أنك أنكرت ما كان مني ، وقلما أعطى أحد نفسه هذه الذلة ، فوجد عنده بعد ذلك خير .
ووقائع أخرى :
وتحدث شريك القاضي عند أبي عبيد اللّه يوما بحديث في تحليل النبيذ ، فقال عافية القاضي ، وكان حاضرا : ما سمعنا بهذا الحديث ، فقال شريك : وما يضر عالما أن جهل جاهل .
وذكر أبو سهل الرازي القاضي عن منصور بن أبي مزاحم ، قال :
كنت عند أبي عبيد اللّه ، وحسن بن حسن عنده ، وشريك حاضر ، فقال أبو عبيد اللّه لشريك : حدثنا في النبيذ ، فحدثه بحديث همام عن عمر ابن الخطاب فيه ، فقال حسن : ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة ، ان هذا الا اختلاق ! فقال شريك : أجل ، شغلك عنه جلوسك على الطنافس ، في صدور المجالس ، وعرفناه بسعينا فيه . فاستزاده أبو عبيد اللّه ، فقال :
لا أعرض الحديث للكذب .
وذكر عبد الأعلى بن عبد اللّه بن محمد بن صفوان الجمحي :
أنه حمل دينا في عسكر المهدي ، قال : فركب المهدي يوما بين أبي عبيد اللّه وعمر بن بزيع ، وأنا وراءه في موكبه على برذون قطوف ، فقال المهدي : ما أنسب بيت قالته العرب ؟ فقال أبو عبيد اللّه : قول امرئ القيس :
وما ذرفت عيناك الا لتضربي * بسهميك في أعشار قلب مقتّل
فقال المهدي : هذا أعرابي قح ، فقال عمر بن بزيع ، قول كثير :
أريد لأنسى ذكرها ، فكأنما * تمثل لي ليلى بكل سبيل
فقال المهدي : ما هذا بشيء ، وماله أن ينسى ذكرها حتى تمثل له ! فقلت له : حاجتك عندي يا أمير المؤمنين ، فقال : ألحقني ، فقلت : لالحاق بي مع دابتي ، فقال : احملوه على دابة ، فقلت : هذا أول الفتح ، وحملت عليها ، فلحقته ، فقال : ما عندك ؟ فقلت : قول الأحوص :