خزائننا ، فوجدته شيئا كثيرا جدا ، فتول بيعه ، وأن لم تعط بكل طومار الا دانقا « 1 » ، فان تحصيل ثمنه أصلح منه . قال صالح : وكان الطومار في ذلك الوقت بدرهم ، فانصرفت من حضرته على هذا ، فلما كان في الغد دعاني فدخلت عليه ، فقال لي : فكرت في كتبنا ، وأنها قد جرت في القراطيس ، وليس يؤمن حادث بمصر ، فتنقطع القراطيس عنا بسببه ، فنحتاج إلى أن نكتب فيما لم نعوده عمالنا ، فدع القراطيس استظهارا على حالها .
ولهذه العلة كانت الفرس تكتب في الجلود والرق ، وتقول : لا نكتب في شيء ليس في بلادنا .
حرص المنصور
: قال جعفر بن أحمد النهرواني الكاتب : حدثني محمد بن الفضل الكاتب قال : حدثني كاتب كان للمنصور يتقلد النفقات في أيامه ، ذهب علي اسمه ، قال :
وقف المنصور يوما من الأيام نهارا على سرب في داره ، فيه قنديل معلق ، وكان الموضع بين المضيء والمظلم ، فكان تعليق القنديل انما يقع استظهارا ، فأمر ، بأن يطفأ ، وقال : لا يعاود هذا المصباح إلى هذا الموضع الا في وقت الحاجة من الليل ، أو من آخر النهار . قال : فلما رأيت ذلك من تفقده قلت في نفسي : إذا كان يتفقد هذا المقدار التافه ، فهو لغيره أشد تفقدا ، فنظرت إلى فضول موائده ، فبعتها ، فاجتمع لي من ذلك مال شهر ، جملة وافرة صالحة ، ونظرت في أشياء غير ذلك ، ففعلت فيها مثل هذا الفعل ، فلما كان من رأس الشهر عرضت عليه ما وفرته ، فسألني عن سببه ؟ فقلت : أن أمنتني شرحت لك الخبر ، فآمنني ، فصدقته عن الصورة فقال : ما الذي كنتم تصنعونه بما يفضل من هذه الموائد في كل يوم ؟ فقلت :
كان يأكله خدمك وغلمانك وحشمك ، وما فضل بعد ذلك عنهم تصدق به على الفقراء والمساكين ، فقال : هذا لم يكن يضيع منه شيء ، فأجر الامر على ما كان جاريا عليه فيه ، وليس سبيل القنديل سبيل ذلك في ذلك الموضع لان ذلك الموضع الذي كان فيه كان مضيئا بالنهار ، وكان الزيت يذهب ضياعا ، ولا وجه للتضييع في شيء وان قلّ .
وحكي انه ثقل على كتاب المنصور تفقده الاعمال ، ومراعاته لها ، فقالوا لمتطببه : لو زينت له شرب النبيذ حتى يتشاغل عنا ، لاعظمت المنة عندنا ، فوعدهم بذلك ، ولم يزل يقول له في الوقت بعد الوقت ، لو سخنت يا أمير المؤمنين معدتك لأصلحت جسمك ، ونفذ طعامك . فيقول : بما ذا فيقول : بشراب العسل . فلما ألح عليه بذلك استدعى شيئا منه ، فشربه
هامش
( 1 ) الدانق : سدس الدرهم .