له بسويق من سويق الموز ، وقد كان سمه ، فشربه ، فلما وصل إلى جوفه تمخض جوفه وأحس بالموت ، فوثب مسرعا ، فقال له المنصور : إلى أين يا أبا الجهم ؟ قال : إلى حيث بعثتني . فلما وصل إلى منزله مات .
وكان المنصور قلد عبد الوهاب بن إبراهيم فلسطين ، فعسف أهلها ، وكان إبراهيم بن أبي عبلة ، كاتب هشام ، مقيما بها ، فاستحضره المنصور ، فلما وصل اليه قال له : ابن أبي عبلة ؟ ما وراءك ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، قد قرأت عهود الخلفاء الذين من ولد عبد الملك إليك ، فما سمعت عهدا قط أجمع من عهد قرأه علينا عبد الوهاب منك ، ثم عمد إلى جميع ما أمرته به فاجتنبه ، وما نهيته من شيء فارتكبه .
وكان ابن مجير من أهل فلسطين قد حضر مع ابن عبلة ، ووصل إلى المنصور ، فقال : ما وراءك يا بن مجير ؟ فأخرج له طائرا من كمه ، قد نتفه حتى لم تبق عليه ريشة واحدة ، فقال له : فارقت البلد ، يا أمير المؤمنين ، وقد نتفه ابن أخيك ، حتى تركه كما تركت هذا الطائر ، فأظهر انكارا شديدا وعزله .
وكان يتقلد للمنصور قضاء المدينة محمد بن عمران الطلحي ، ويكتب له نمير الشيباني المديني ، فلما قدم المنصور حاجا استعدى عليه الجمالون فدعا محمد بن عمران بنمير كاتبه ، وقال : اكتب إلى المنصور في الحضور معهم أو انصافهم ، فكتب ثم ختم الكتاب ، وقال له : واللّه لا مضى به غيرك فمضى به ، ودفعه إلى الربيع ، واعتذر اليه ، فقال له : لا عليك ، ودخل بالكتاب ثم خرج ، فقال للناس : أمير المؤمنين يقرأ عليكم السلام ، ويقول لكم : قد دعيت إلى مجلس الحكم ، فلا أعلمن أحدا يقوم إذا خرجت ولا يكلمني . ثم خرج المنصور ، والمسيب بين يديه ، والربيع ونمير كاتب محمد بن عمران خلفه ، وهو في مئزر ورداء ، فلم يقم له أحد ، فبدأ بالقبر ، فسلم عليه ، ثم قال للربيع : اني أخشى ان رآني ابن عمران أن يدخل قلبه هيبة ، فيتحول عن مجلسه ، وبالله لئن فعل ، لا ولي لي ولاية أبدا . ثم صار إلى محمد بن عمران ، فلما رآه ابن عمران ، وكان متكئا ، أطلق رداءه على عاتقه ، ثم احتبى ودعا بالخصوم ، ثم دعا بالجمالين ، ثم دعا بأمير المؤمنين فادعى القوم ، وساء له ، فقضى عليه لهم ، وأمره بانصافهم ، وانصرف أبو جعفر . فأمر الربيع باحضار محمد بن عمران ، فلما دخل عليه قال : جزاك اللّه عن دينك وعن بيتك وعن حسبك وعن خليفتك أحسن الجزاء ! وأمر له بعشرة آلاف دينار .
ووقف أبو جعفر على كثرة القراطيس في خزائنه ، فدعا بصالح ، صاحب المصلى ، فقال له : أني أمرت باخراج حاصل القراطيس في
الوزراء والكتاب — صفحة 88
مساهمون: أبو عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري
ص٨٨