وكانت نخوة عمارة وتيهه يتواصفان ويستسرفان ، فأراد أبو جعفر أن يعبث به ، فخرج يوما من عنده . فأمر بعض الخدم أن يقطع حمائل سيفه ، لينظر أيأخذه أم يتركه ؟ ففعل ذلك ، فسقط السيف ، فمضى عمارة لوجهه ، ولم يلتفت اليه وكان المثل يضرب بتيهه ، فيقال : أتيه من عمارة .
وكان عمارة إذا أخطأ يمضي على خطئه تكبرا عن الرجوع ويقول :
نقض وابرام في ساعة واحدة ! الخطأ أهون علي من هذا . وله شعر صالح ، فمن ذلك :
لا تشكون دهرا صححت به * أن الغنى في صحة الجسم
هبك الامام أكنت منتفعا * بغضارة الدنيا مع السقم ؟
قال محمد بن يزداد :
قلد المنصور عمارة بن حمزة الخراج بكور دجلة والأهواز ، وكور فارس ، وتوفي المنصور سنة ثمان وخمسين ومائة وعمارة يتقلد ذلك .
وقلد المنصور حمادا التركي تعديل السواد ، وأمره أن ينزل الأنبار ولا يدع أحدا من أهل الذمة يكتب لاحد من العمال على المسلمين الا قطع يده ، فأخذ حماد ما هواه الواسطي ، جد سليمان بن وهب ، فقطع يده .
وأنكر أبو جعفر على محمد بن جميل شيئا ، فأمر ببطحه ، فقام بحجته ، وأزال ما أدعى عليه ، فأمر بإقامته ، ثم لحظ سراويله ، فإذا هو كتان ، فأنكر ذلك انكارا شديدا ، وأمر به فبطح ، وضربه خمس عشرة درة ، وقال :
هذا جزاؤك على سوء اختيارك في لبس مثل هذا السراويل ، فلا تعاوده .
وكان محمد بن جميل يتقلد ديوان الخراج ، ولما قلد أبو جعفر الربيع العرض عليه ، حسن مذهبه ، وآثر الخيرية ، حتى عرف بذلك .
وكان أبو جعفر إذا أراد بانسان خيرا ، أمر بتسليمه إلى الربيع ، وإذا أراد بانسان شرا أمر بتسليمه إلى المسيب . فكتب العامل بفلسطين يذكر أن بعض أهلها وثب عليه ، واستغوى جماعة منهم ، فعاث في العمل .
فكتب اليه المنصور : دمك مرتهن ان لم توجه به . فصمد له العامل ، وأخذه ووجه به . فلما مثل بين يديه ، قال : أنت المتوثب على عامل أمير المؤمنين ؟
لانثرن من لحمك أكثر مما يبقى على عظمك ! فقال : وكان شيخا كبيرا ، بصوت ضئيل :
أتروض عرسك بعد ما هرمت * ومن العناء رياضة الهرم ؟
فقال : يا ربيع ، ما يقول ؟ قال : يقول :
العبد عبدكم والمال مالكم * فهل عذابك عني اليوم مصروف
فقال المنصور : يا ربيع ، قد عفوت عنه ، فخل سبيله ، واحتفظ به ، وأحسن اليه .