وهذا الشعر لعبد بني الحسحاس . وكان مولاه اتهمه بابنته ، فعزم على قتله ، فقال هذا الشعر ، وأوله :
أمن سمية دمع العين مذروف * لو أن ذا منك قبل اليوم معروف
كأنّها حين تبكي ما تكلمني * ظبي بعسفان ساجى الطرف مطروف
لا تبك عينك أن الدهر ذو غير * فيه تفرق ذي ألف ومألوف
العبد عبدكم والمال مالكم * فهل عذابك عني اليوم مصروف
ولما استوزر المنصور الربيع ترك أن يسأله حاجة تخفيفا ، فقال له المنصور يوما : قد انقبضت عن مسألتي حوائجك ، حتى أوحشتني ، فقال :
ما تركت ذاك ! اني وجدت لها موضعا غير أمير المؤمنين ! ولكني ملت إلى التخفيف ، قال : فاعرض علي ما تحب من حوائجك ، قال : حاجتي يا أمير المؤمنين أن تحب الفضل ابني ، قال : ويحك ! أن المحبة لا تقع ابتداء ، وانما تقع بأسباب ، فقال : قد أوجدك اللّه السبيل إليها ، قال : وما ذاك ؟ قال :
تنعم عليه ، فإذا أنعمت عليه أحبك ، فإذا أحبك أحببته ، قال : فقد واللّه حببته إلي قبل أن يقع من هذا شيء ، ولكن كيف اخترت له المحبة من بين سائر الأشياء ؟ قال : لأنك إذا أحببته كبر عندك صغير احسانه ، وصغر عندك كبير إساءته ، وكانت حاجاته عندك مقضية وذنوبه عندك مغفورة .
وكان أبو جعفر قلد خالد بن برمك الري وطبرستان ودنباوند ، فأقام بها سبع سنين ، وكان مقام خالد بطبرستان ، وخلف ابنه يحيى بالري ، فلما وجه أبو جعفر المهدي إلى الري خدمه يحيى ، وخف على قلبه ، وولدت الخيزران هارون بن المهدي في سنة تسع وأربعين ومائة ، وكان الفضل ابن يحيى بن خالد قد ولد قبل ذلك بسنة ، فأرضعت الخيزران الفضل ، وأرضعت زبيدة بنت منير ، أم الفضل ، هارون : فتأكدت حرمة يحيى ، واتصل سببه .
وذكر الحارث بن أبي أسامة في كتابه المعروف بكتاب الخلفاء في أخبار المنصور :
ان الخبر اتصل به أن أحداثا من الكتاب يزورون في ديوان داره ، فأمر باحضارهم ، وتقدم بتأديبهم ، فقال واحد منهم ، وهو يضرب :
أطال اللّه عمرك في صلاح * وعز يا أمير المؤمنينا
بعفوك أستجير ، فان تجرني * فإنك عصمة للعالمينا
ونحن الكاتبون وقد أسأنا * فهبنا للكرام الكاتبينا
فأمر بتخليتهم ، ووصل الفتى وأحسن اليه .
وكان أبو جعفر يتعتب على أبي الجهم بن عطية ، وزير أبي العباس ، فلما استخلف أبو جعفر ، دخل أبو الجهم يوما ، فطاوله حتى عطش ، ثم دعا