تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوزراء والكتاب — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
الستر ، وكل بي ودخل ، فلم يلبث أن خرج ، فقال لي : ادخل ، فدخلت . فلما صرت إلى باب الإيوان ، قال لي الربيع : سلم على أمير المؤمنين ، فشممت رائحة الحياة ، فسلمت ، فأدناني وأمرني بالجلوس ، ثم رمى إلي بربع قرطاس ، وقال لي : اكتب وقارب بين الحروف ، وفرج بين السطور ، واجمع خطك ، ولا تسرف في القرطاس ، وكانت معي دواة شامية ، فتوقفت عن اخراجها ، فقال لي : كأنّي بك يا يوسف ، وأنت تقول في نفسك : أنا بالأمس في ديوان الكوفة أكتب لبني أمية ، ثم مع عبد اللّه بن علي ، وأخرج الساعة دواة شامية ! انك انما كنت في ديوان الكوفة تحت يد غيري ، وكنت مع عبد اللّه بن علي ، لي ومعي ، والدوى الشامية أدب جميل ، ومن أدوات الكتاب ، ونحن أحق بها ، قال : فأخرجتها ، فكتبت وهو يملي علي ، فلما فرغت من الكتاب ، أمر به فأترب . وأصلح ، وقال : دعه ، وكل العنوان إلي ، ثم قال لي : كم رزقك يا يوسف في ديواننا ؟ فقلت : عشرة دراهم ، فقال لي : قد زادك أمير المؤمنين عشرة دراهم ، رعاية لحرمتك بعبد اللّه بن علي ، ومثوبة على طاعتك ، ونقاء ساحتك ، وأشهد أنك لو استخفيت لاخرجتك ولو من جحرة النمل ، ثم زايلت بين أعضائك ، قال : فدعوت له ، ثم خرجت مسرورا بالسلامة . وتوفي عبد الملك بن حميد ، كاتب أبي جعفر في آخر سنة أربع وخمسين ومائة . وكان ملك الروم أنفذ إلى أبي جعفر رسولا ، فورد عليه عند فراغه من الجانبين من مدينة السلام ، وأمر أبو جعفر عمارة بن حمزة أن يركب معه إلى المهدي ، وهو نازل بالرصافة ، فلما صار إلى الجسر رأى الرسول من عليه من الزمنى والسؤال ، فقال لترجمانه : قل لهذا ، يعني عمارة بن حمزة : اني أرى عندكم قوما يسألون ، وقد كان يجب على صاحبك أن يرحم هؤلاء ، ويكفيهم مؤنهم وعيالاتهم ، فقال له عمارة : أن الأموال لا تسعهم ، ومضى إلى المهدي ، وعاد إلى أبي جعفر ، فخبره عمارة بذلك ، فقال له أبو جعفر : كذبت ! ليس الامر على ما ذكرت ، والأموال واسعة ، ولكن العذر ما أنا ذاكره له ، فأحضرنيه ، فأحضره ، فقال له : قد بلغني ما قلته لصاحبنا ، وما قاله لك ، وكذب ، لان الأموال واسعة ، ولكن أمير المؤمنين يكره أن يستأثر على أحد من رعيته ، وأهل سلطانه بشيء من حظ ، أو فضل في دنيا أو آخرة ، وأحب أمير المؤمنين أن يشركوه في ثواب السؤال والزمنى ، وأن يسألوهم من ذوات أيديهم ، ومما أعطاهم اللّه عز وجل من الرزق ، ليكون ذلك نجاة لهم في آخرتهم ، وتمحيصا لذنوبهم ، فقال الرومي : الحق ما قاله أمير المؤمنين .