وفلانة - امرأة سماها من نسائه - بطيب نفس مني ، ورغبت في تصييرها اليه ، لأنه أولى بالتقدم فيها ، وأحق وأقوم عليها ، وأقوى على القيام بها مني ، وكان ذلك في سنة ست وأربعين ومائة .
قال : فكان بعض المجان من أهل الكوفة إذا مر بهم عيسى بن موسى قالوا : هذا الذي كان غدا فصار بعد غد .
وكان أبو جعفر لما شخص المهدي إلى الري اذن لأبي عبيد اللّه كاتبه في الانفاق والتصرف في بيت المال ، فأقام بالري مع المهدي مدة طويلة ، وأنفق أموالا عظيمة ، فلما انصرف المهدي إلى الحضرة ، طالب المنصور أبا عبيد اللّه برفع الحساب بما جرى على يده ، فقامت قيامته ، واشتد همه ، فلقيه خالد بن برمك ، وكان صحيح العقل ، سديد الرأي ، فقال : أنت ترشح نفسك لتدبير الخلافة وقد حيرك هذا الامر الصغير ! فقال : فما الرأي عندك ؟ قال : يصير المهدي إلى أبيه وعليه سيفه وسواده ، فإذا مثل بين يديه نزع سيفه ، فرمى به ، وقال له : يا أمير المؤمنين ، أنت ترشحني لهذا الامر ، وتروي أني المهدي الذي بعدك في الناس ، ثم تكشف كاتبي عما أجريته على يده ، ونفذه بأمري وبتوقيعاتي ! فلعلك تنكر شيئا ، فيقول الناس : انه كشف عن خيانة . فصار أبو عبيد اللّه إلى المهدي ، فطالبه بذلك ، ففعل ، فأمسك أبو جعفر عنه .
حديث تولية المنصور الامر للمهدي :
وقال أبو جعفر للمهدي يوما : قد عزمت على أن أوليك الامر ، وأرده إليك ، فقد كبرت وعجزت عن مباشرة الاعمال والنظر فيها ، وأحببت الراحة والدعة ، فخرج المهدي إلى أبي عبيد اللّه مستبشرا بذلك ، وعرفه ما عرضه عليه أبو جعفر ، فقال له أبو عبيد اللّه اتق اللّه ولا تظهر لأمير المؤمنين قبولا لما ذاكرك به ، وإذا عاودك فقل له : لا واللّه لا أتعرض لهذا الامر ما أبقى اللّه أمير المؤمنين ، ولا أنهض له ولا أغره من نفسي ! فإنه انما سبرك بما عرض عليك . فلما دخل المهدي على أبي جعفر قال له : يا أبا عبد اللّه ، هل فكرت فيما قلته لك ، أو شاورت أحدا فيه ؟ فقال : ما بي قوة على ذلك ، ويبقي اللّه أمير المؤمنين ، ويمتعنا بحياته ، وما أحب أن أغر من نفسي ! فقال له : سبحان اللّه ! من صدك عنه ؟ ومن ناظرت فيه ؟ وكرر عليه القول ، وأعاد المهدي عليه جوابا واحدا ، فقال له : فمن شاورت في هذا الامر ؟ فقال له : شاورت معاوية ، قال : فأي شيء قال لك ؟ قال : فعرفه ما قال له ، فأطرق هنيهة ثم قال : علي بمعاوية .
فلما دخل عليه وقال له : ما هذا الذي ناظرك فيه أبو عبد اللّه ، وكيف رأيت أن لا يقبل ؟ قال : أأصدقك وأنا آمن ؟ فقال له : هات ، ولم لا تصدقني ؟
فقال له : انه واللّه ما عرضت عليه ما عرضته وأنت تريد أن توليه ، وانما