واستباحة نعمتك ، وفي الآجل حلول دار الفاسقين ، ومأوى الظالمين الناكثين ؟
فقال : يا أمير المؤمنين ، ان للتهم فلتات ترجع بالندم ، ولك من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عدل السياسة ، وشرف القرابة ، فأقلني ، قال : لا يسعني مع عظيم جرمك ، وجليل ذنبك ، اقالتك ، ولا العفو عنك ، لأنك اقترفت الموبق ، وما لا يسع معه عفو ، وحبسه وحبس أخاه خالدا وبني أخيه ، وهم : مسعود وسعيد ومخلد ومحمد ، ولم يكن لمحمد حظ من أمرهم .
فقال خالد لبنيه أما أنتم فقد أخذتم بحظ من الدنيا ، وهذا البائس لا ذنب له ، ولم يكن له حظ ، فقال له مخلد - وكان ينظر في النجوم - : لا بد أن نقتل كلنا ، فإن كان محمد ابنك ، فلا تأمن من قتله ، وان لم يكن ابنك فليس عليه بأس ، ثم طولبوا بالأموال ، وعذبوا وضيق عليهم ، فطلب كل من كان لهم عنده شيء ، فأخذ ، وضغط أبو أيوب بالمطالبة بالمال ، فمات هو وأخوه في أول سنة أربع وخمسين ومائة ، وأمر المنصور بقتل بني أخيه ، فقتلوا .
فقال بعض الشعراء أبياتا ، منها :
فاتق اللّه وأرض بالقصد حظا * وتباعد عن موبقات الذنوب
قد رأيت الذي أذالت ونالت * وقعة الدهر من أبى أيوب
ومما يحكى أيضا انه عاد بالضرر على أبي أيوب ، ما ذكر أبو العيناء قال :
الناس يكثرون في سبب قتل أبي أيوب ، والذي عندنا أن المنصور لما كان مستترا بالأهواز نزل على بعض الدهاقين ، فاستتر عنده ، فأكرمه الدهقان بجميع ما يقدر عليه ، حتى أخدمه ابنته ، وكانت في غاية الجمال ، فقال له أبو جعفر : لست استحل استخدامها والخلوة بها وهي جارية حرة ، فزوجنيها ، فزوجه إياها ، فعلقت منه . وأراد أبو جعفر الخروج إلى البصرة فودعهم ، ودفع إلى الجارية قميصه وخاتمه ، وقال : ان ولدت فاحتفظي بولدك ، فمتى سمعت انه قد قام في الناس رجل يقال له : عبد اللّه بن محمد ويكنى أبا جعفر ، فصيري اليه بولدك ، وبهذا القميص والخاتم ، فإنه يعرف حقك ، ويحسن الصنع إليك ، وفارقهم . فولدت ابنا ، ونشأ الغلام وترعرع فكان يلعب مع أترابه وملك أبو جعفر ، فعير الغلام أترابه بأنه لا يعرف له أب ، فدخل إلى أمه حزينا كئيبا ، فسألته عن حاله ، فذكر لها ما قال أترابه ، فقالت : بلى ، واللّه ان لك أبا فوق الناس ! قال لها : ومن هو ؟ قالت :
القائم بالملك ، قال : فهذا أبي وأنا على هذه الحال ! هل من شيء يعرفني به ؟ فأخرجت القميص والخاتم . وشخص الفتى ، فصار إلى الربيع ، فقال له : نصيحة ، قال : هاتها ، قال : لا أقولها الا لأمير المؤمنين ، فأعلم المنصور الخبر ، فأدخله اليه ، فقال : هات نصيحتك ؟ فقال : أخلني ، فنحي من