على الشخوص إلى قنسرين ليقيم فيها ، ويوجه الامداد منها ، فكتم تدبيره ، وأظهر انه يسافر إلى ناحية لم يذكرها ، ولم يبينها ، وأمر أصحابه بالاستعداد ، ولم يعرفهم القصد ، فاجتمع أبو أيوب وعبد الملك والربيع ، فتذاكروا ذلك ، ورجموا الظنون ، فلم يصيبوا شيئا ، ولم يقدموا على مسألته ، فقال عبد الملك : فأنا أعلم لكم ذلك ، فإذا أذن فتأخروا عني ساعة حتى أكلمه ، فلما أذن دخل عبد الملك ، فلما استقر به المجلس قال :
يا أمير المؤمنين ، قد تهيأنا للمسير ، وفرغنا من كل ما نحتاج اليه ، وبقي علينا ما نستأجر من الظهر ، وما ندري كيف نتكاراه ؟ ولا علام نواقف المؤاجرين لنا فيه ؟ فقال له أبو جعفر : يا ابن الخبيثة ، جلست الساعة وفلان وفلان ، فقلتم كذا ، وجرى بينكم كذا ، فقلت لهم كذا ، حتى رد عليه خبر المجلس ، حدسا منه وفطنة ، اخرج يا ابن الخبيثة ، فاكتر مياومة ، كل يوم بألف ، فأما أن أعلمك فلا ، ولا كرامة .
ورخصت الأسعار في أيام أبي جعفر ، فسولت لأبي أيوب نفسه أن يشتري طعام سواد الكوفة وسواد البصرة ، وطمع في الربح . ففعل ذلك فكتب المنصور عليه كتابا بذلك ، وخلده الدواوين ، وكان يطالبه بالمال وقتا بعد وقت ، فتحمل منه الشيء بعد الشيء ، وتتابع الرخص عليه ، وأرهقه المنصور بالمطالبة بالمال ، وكان المنصور يحب ابنا له ، يقال له : صالح ، ويرق عليه ، وكان أقطع أولاده جميعا قطائع خلاه ، وكان يقول : ابني هذا المسكين لا شيء له ! فلقب بصالح المسكين ، فقال له أبو أيوب : يا أمير المؤمنين ، قد أصبت ضيعة تقرب من الأهواز ، وتشرب من دجلة ، وتغيض فيها ، وهي بلد واسع ، وقد دثرت رسومها ، وانطمست أنهارها ، فان أقطعته إياها ، وأطلقت له ثلاث مائة ألف درهم نستخرجها له ، فلا تلبث الا يسيرا حتى تغل جملة وافرة . فأقطع المنصور صالحا تلك الضيعة ، وأمر له بالمال ، فأخذه أبو أيوب ، فأدى صدرا من خسارته في الطعام ، وجاءت السنة ، فحمل أبو أيوب عشرين ألف درهم إلى أبي جعفر ، وقال : هذه غلة الضيعة ، فسر المنصور بذلك ، وأمر أن يتخذ لصالح بيت مال .
حدثني عبد الواحد بن محمد قال حدثني أبو العيناء ، قال :
جاء رجل من أهل الأهواز إلى أبي أيوب ، وهو وزير ، فقال له : ان ضيعتي بالأهواز قد حمل علي فيها العمال ، فان رأى الوزير أن يعيرني اسمه أجعله عليها ، وأحمل اليه في كل سنة مائة ألف درهم ؟ فقال : قد وهبت لك اسمي ، فافعل ما بدا لك ، وخرج الرجل . وحال الحول ، فأحضر الرجل المال ، ودخل على أبي أيوب وهو لا يعرفه ، فجلس إلى أن خف الناس ، ثم دنا منه وقص عليه قصته ، وأعلمه أنه قد انتفع باسمه ، وأنه قد حمل المال ،
الوزراء والكتاب — صفحة 76
مساهمون: أبو عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري
ص٧٦