على لزوم المسجد الذي أمر اللّه بلزومه ، والذي كتبها ابني دلامة ، فقال أبو جعفر ، فاقرأها ، قال ما أحسن أن أقرأ - وعلم أنه انما أراد أن يقر بكتابه لها ، فيضر به الحد على ذكره شرب الخمر - فلما رآه يحيد ، قال له :
يا خبيث ، أما لو أقررت لضربتك الحد ، وقد أعفيتك من لزوم المسجد ، فقال أبو دلامة : أو كنت ضاربي يا أمير المؤمنين لو أقررت ؟ قال : نعم ، فقال :
مع قول اللّه عز وجل :
« وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ »
، فضحك منه ، وأعجبه انتزاعه ، ووصله .
أبو أيوب والمنصور :
وورد على أبي جعفر من محمد بن عبد اللّه بن حسن كتاب غلظ له فيه ، فقال له أبو أيوب : دعني أجبه عنه ، فقال له :
يا سليمان ، ليس ذلك إليك ، إذا نحن تقارعنا عن الأحساب فدعني وإياها .
وكان أبان بن صدقة يكتب لأبي أيوب ، فسعى به إلى أبي جعفر ، وكان السبب في ذلك أنه كان على أمر أبي أيوب كله ، فحسده مخلد ، ابن أخي أبي أيوب ، فرفع عليه سعاية إلى أبي جعفر بمائة ألف دينار ، فأمر المنصور بأخذه بها . فأدخل أبان بن صدقة بيتا ، وطين عليه بابه ، ثم ندم مخلد على ما فعله ، لامه عمه أبو أيوب لما وقف على ما كان منه ، فقال مخلد :
أنا أؤدي عنه عشرة آلاف دينار ، وقال أبو أيوب : وأنا أؤدي عنه كذا ، وقال مسعد : وأنا أؤدي عنه كذا . فتوزعها الموريانيون بينهم ، وأخرجوا أبانا من الحبس ، فخرج في نفسه ما فيها . فكان يأتي أبا أيوب فيقيم عنده نهاره كله ، فإذا كان الليل انصرف ومعه غلمان أبي أيوب ، فإذا انصرفوا وعلم أنهم قد وصلوا إلى منازلهم ، خرج حتى يأتي الربيع ، فيسعى بأبي أيوب ، ويكتب له أخباره وأمواله ، فيوصل الربيع ذلك إلى المنصور ، فيقول المنصور : من أين هذا ؟ فيقول : من أبان بن صدقة . وبلغ أبا أيوب ، فقال لأبان في ذلك ، فقال : كذبوك ، فقال له : قد جاءني اليقين أنك تأتي الربيع كل ليلة ، فإن كان مخلد رفع عليك ، فقد تخلصتك ، فلما ذا تريد قتلي ؟ فقال :
أن مخلدا أراد قتلي ، قال له أبو أيوب : فعلتها ، أخرج فلا تقربني ، فقال :
أي واللّه ثم لا أعود إليك . وخرج حتى أتى الربيع ، وكشف أبا أيوب .
عمرو بن عبيد والمنصور :
كان عمرو بن عبيد دخل على المنصور ، فوعظه موعظة طويلة مشهورة ، فبكى المنصور وتوجع واستغفر ربه ، وعرض على عمرو معونته ، فأبى وخرج من حضرته ، فلقيه أبو أيوب ، فقال له : يا أبا عثمان ، ظنك قد ردعت هذا الرجل ؟ فقال : نعم ، وقد حضضته على أهل الكوفة وأهل البصرة ، فان استطعت أن تعين بخير فافعل ، وكفى بأمة شرا أن تكون أنت المدبر لأمرها .
وقائع وأحداث :
ولما ورد على أبي جعفر خبر خلع أهل أفريقية ، اعتزم