تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوزراء والكتاب — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
فأمر باحضاره ، فأدخل ، ووضع بين يديه ، ونهض الرجل شاكرا داعيا . واندفع أبو أيوب يبكي ، فقال له أهله ومن حضر : ما رأينا موضع سرور وفرح عقب ببكاء وحزن غير هذا ! فقال لهم : ويحكم ! ان شيئا بلغ هذا من اقباله ، كيف يكون أدباره ؟ قال : فما بعد بين الوقت وبين نكبته . ثم سعي إلى أبي جعفر بالضيعة التي اتخذها لصالح ، وعرف أن أبا أيوب أخذ المال لنفسه ، وغره من هذه الناحية . فعزم أبو جعفر على الخروج بنفسه إلى الناحية ليعاينها ، فلما تجهز للشخوص ، كتب أبو أيوب إلى وكلائه أن يبنوا على دجلة في طريق الضيعة ، على طريق أبي جعفر ، قرى من اللبن والقصب ، وأن يغرسوا نخلا وسدرا وكل ما تهيأ أن يحسن به ، ويرى ظاهره ، ليراها أبو جعفر عامرة الظاهر . فلما فعلوا ذلك وشخص أبو جعفر ، فرأى الموضع ، وقد كان أبو أيوب عند قربه منها أرسل من سكر دجيل الأهواز والمسرقان حتى فاضا على الضيعة فغرقاها ، ثم غاض إلى دجلة ، فأرسل أبو جعفر من سكر الماء ، وأعاده إلى جهته ، وأقام أربعين يوما ينتظر جفاف الأرض ، ثم ركب حتى وقف على الضيعة ، وتبين كذب أبي أيوب ، وانصرف ولم يقل شيئا ، إلى أن عاد إلى بغداد ، فأوقع به . وكان أبو جعفر مدة مقامه بالأهواز منتظرا لجفاف أرض الضيعة ، اشتهى سمكا طريا ، فقال له أبو أيوب : يا أمير المؤمنين ، أنت تعلم انى أهوازي سمكي ، ولنا عجائز يحسن صنعة السمك ، فان رأيت أن تأذن لي فأهيئه لك ، فأظهر أبو جعفر التقبل لذلك من قوله ، وأذن له في اتخاذه ، فمضى لذلك . قال الربيع : فنهض أبو جعفر عن مجلسه ، ودعاني ، فقال لي : يا ربيع ، أصبب علي الماء حتى أغسل وجهي ، فبينا أنا أصب عليه ، إذا رسل أبي أيوب قد دخلوا عليه بشيء كثير من السلال ، فيها ضروب من خبز الماء والرقاق وخبز الأرز ، وصنوف السمك ، قد اتخذ ضروبا من الصنعة الحارة والباردة ، فقلت له : أنت يا أمير المؤمنين تعلم أني غير مستبطئ لسليمان ، وأنه مني لعلى صداقة ومودة ، ولكن أمير المؤمنين آثر عندي من نفسي ، وقد علم سليمان ما يريده أمير المؤمنين به ، فهل يأمن أمير المؤمنين أن يكون قد دس له في هذا الطعام شيئا ؟ فقال لي : بارك اللّه عليك يا ربيع ، وأحسن جزاءك ، انه ما دخل رأسي ما يأتي من عند سليمان من الالطاف شيء منذ كذا وكذا من الدهر ، فلا يسمعن منك هذا بعد ، ودعا بغير ذلك الطعام ، فأكل منه ، وانصرف إلى بغداد ، وأظهر السخط على أبي أيوب في سنة ثلاث وخمسين ومائة .

نكبة أبي أيوب :

فحكى أنه قال له : يا خوزي ، أكنت آمنا من أن يطلع أمير المؤمنين على خيانتك فيكون جزاؤك في العاجل إراقة دمك ،
الوزراء والكتاب — صفحة 77 | أبو عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري