الكذب يشين أهله !
وكان يزيد بن أبي مسلم - واسم أبي مسلم : دينار - من موالي ثقيف . وليس مولى عتاقة ، وكان أخا الحجاج من الرضاعة ، يتقلد للحجاج ديوان الرسائل ، وكنيته أبو العلاء ، وكان الحجاج يجري له في كل شهر ثلاث مائة درهم ، يعطي امرأته منها خمسين درهما ، وينفق في ثمن اللحم خمسة وأربعين درهما ، وينفق باقيها في ثمن الدقيق وباقي نفقته ، فان فضل منها شيء ابتاع به ماء وسقاه المساكين ، وربما ابتاع قطفا ففرقها فيهم ، وهو مع ذلك يقتل الخلق للحجاج .
وحكي أن الحجاج عاده من علة ، فوجد بين يديه كانونا من طين ، ومنارة من خشب . فقال له : يا أبا العلاء ، ما أرى رزقك يكفيك . قال :
ان كانت ثلاث مائة لا تكفيني ، فثلاثون ألفا لا تكفيني .
ولما حضرت الحجاج الوفاة في شهر رمضان سنة خمس وتسعين استخلف يزيد بن أبي مسلم على خراج العراق ، فأقام بعده تسعة أشهر .
وحكي انه سمع من قبر الحجاج صوت ، فصير إلى يزيد ابن أبي مسلم ، فعرف ذلك ، فركب في أهل الشام حتى انتهى إلى قبره فتسمع ، فلما سمع الصوت قال : يرحمك اللّه يا أبا محمد ، لا تدع القراءة حيا ولا ميتا ! ثم ركب .
وهذا يشبه ما روي عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص :
أن معاوية مرّ بسعد في طريق مكة بعد صلاة الصبح ، ومعه أهل الشام ، فوقف على سعد في طريق مكة ، فسلم عليه ، فلم يرد عليه السلام ، فقال معاوية لأهل الشام : أتدرون من هذا ؟ هذا سعد صاحب رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لا يتكلم حتى تطلع الشمس . فبلغ سعدا ذلك ، فقال : ما كان ذلك مني واللّه على ما قال ، ولكني كرهت أن أكلمه .
وبلغ عبد الملك بن مروان أن بعض كتابه قبل هدية ، فقال له : أقبلت هدية منذ وليتك ؟ فقال : أمورك مستقيمة ، والأموال دارة ، والعمال محمودون ، وخراجك موفر ، فقال له . أخبرني عما سألتك عنه ؟ فقال :
نعم ، قد قبلت ، فقال : واللّه ان كنت قبلت هدية لا تنوي مكافأة المهدي لها انك لئيم دنىء ، وان كنت قبلتها تستكفي رجلا لم تكن تستكفيه لولاها ، انك لخائن ، وان كنت نويت تعويض المهدي عن هديته ، والا تخون له أمانة ، ولا تثلم له دينا ، فلقد قبلت ما بسط عليك لسان معامليك ، وأطمع فيك سائر مجاوريك ، وسلبك هيبة سلطانك ، وما في من أتى أمرا لم يخل فيه من لوم أو دناءة أو خيانة أو جهل ، مصطنع . وصرفه عن عمله .
الوزراء والكتاب — صفحة 32
مساهمون: أبو عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري
ص٣٢