صار سراقة إلى دهليز روح ، فكتب على الحائط :
يا روح ، من لدنانير مجرشة * إذا نعاك لأهل المغرب الناعي !
ان الخليفة قد شالت نعامته * فاحتل لنفسك يا روح بن زنباع !
وكتب فوقه : قال بعض شعراء الجن . فلما وقف روح على ذلك ، غدا على بشر ، فاستأذنه في الرجوع إلى الشام ، فجعل بشر يحبسه ويسأله أن يقيم ، فأبى ، فأذن له ، فشخص فلما دخل على عبد الملك قال :
الحمد لله على سلامتك يا أمير المؤمنين ! قال : وما ذاك ؟ فأخبره الخبر ، فقال له : سخر منك بشر وأهل العراق لما ثقلت عليهم ، فاحتالوا في الراحة منك .
ثم كتب لعبد الملك ربيعة الجرشي ، فلما عزم على تقليد الوليد العهد ، شاوره وقال له اني قد عملت على توليته شيئا من النواحي أولا ، فإذا مرت له مدة قلدته ، فقال أمهلني سنة ، فأبى عليه ، فقال له : يا أمير المؤمنين ، انك لو بعثت الوليد يقسم الأموال بين الناس ما رضوا عنه ، فكيف ببعثه جابيا ، ان احتاط ذم ، وان رفق عجز ! ولكن وله المعاون والصوائف يكن ذلك له شرفا وذكرا .
ويشبه هذا شيئا ما حكي عن أبي العباس الطوسي مع أبي جعفر المنصور ، وذلك أن المنصور قال له ، ولعيسى بن علي ، والعباس بن محمد ، وغيرهم من خواصه : اني قد عزمت على تقليد المهدي السواد وكور دجلة . فاستصوب جميعهم رأيه خلا الطوسي ، فإنه استخلاه ، ثم قال له : أرأيت أن سلك المهدي غير سيرتك ، واستعمل التسهيل ، أترضى بذلك ؟ قال : لا واللّه ، قال : فأنت تريد أن تحببه إلى الرعية ، وتقليدك إياه يبغضه إليهم ، لا سيما ما قرب منك . ولكن يتولى هذه الولاية عيسى بن موسى ، وتجعل المهدى الناظر في ظلامات الناس ، وتأمره يأخذه بانصافهم .
فضحك منه حتى فحص برجليه .
ومات قبيصة بن ذؤيب ، فولى مكانه عمرو بن الحارث الفهمي ، مولى بني عامر بن لؤي ، فمات عمرو ، فقلد جناحا ، مولاه ، ديوان الخاتم ، واقتصر على باقي كتابه .
ولم يزل بالكوفة والبصرة ديوانان : أحدهما بالعربية ، لاحصاء الناس وأعطياتهم ، وهذا الذي كان عمر قد رسمه ، والآخر لوجوه الأموال ، بالفارسية . وكان بالشام مثل ذلك ، أحدهما بالرومية ، وآخر بالعربية .
فجرى الامر على ذلك إلى أيام عبد الملك بن مروان .
فلما قلد الحجاج العراق ، كان يكتب له صالح بن عبد الرحمن ، ويكنى : أبا الوليد . وكان يتقلد ديوان الفارسية إذ ذاك زاذان فروخ ،