فخلفه عليه صالح بن عبد الرحمن ، فخف على قلب الحجاج ، وخص به ، فقال لزاذان فروخ : اني قد خففت على قلب الحجاج ، ولست آمن أن أزيلك عن محلك لتقديمه إياي ، وأنت رئيسي ، فقال زاذان فروخ : لا تفعل ، فإنه أحوج إلي مني اليه ، قال : فكيف ذلك ؟ قال : لا يجد من يكفيه الحساب ، فقال صالح : اني لو شئت حولته بالعربية ، قال : فحول منه سطرا ، فحول منه شيئا كثيرا . فقال زاذان فروخ لأصحابه : التمسوا مسكنا غير هذا . وأمر الحجاج صالحا بنقل الدواوين إلى العربية في سنة ثمان وسبعين .
وكان عامة كتاب العراق تلامذة صالح ، فمنهم المغيرة بن أبي قرة ، كتب ليزيد بن المهلب ، ومنهم قحذم بن أبي سليم ، وشيبة ابن أيمن ، كاتبا يوسف بن عمر ، ومنهم المغيرة وسعيد ، ابنا عطية ، وكان سعيد يكتب لعمر بن هميرة ، ومنهم : مروان بن أياس ، كتب لخالد القسري ، وغيرهم .
وقال الحجاج يوما لصالح اني فكرت فيك ، فوجدت مالك ودمك حلالا لي ، وأنني غير آثم ان تناولتهما ، فقال له صالح : ان أغلظ ما في الامر - أعز اللّه الأمير - أن هذا القول بعد الفكر ، فضحك منه ولم يقل له شيئا .
وكان الحجاج لما قدم العراق ثقل أمره على أهل البلاد ، فاجتمع الدهاقين إلى جميل بن بصبهري ، وكان حازما مقدما ، فشكوا اليه ما يتخوفون من شر الحجاج ، فقال لهم : خبروني : أين مولده ؟ فقالوا له :
الحجاز ، قال : ضعيف معجب ، فأين منشؤه ؟ قالوا : الشام ، قال : ذاك شر ، ثم قال : ما أحسن حالكم إذا لم تبتلوا معه بكاتب منكم ! - يعني من أهل بابل - . فابتلوا بزاذان فروخ ، وكان أعور شريرا . وضرب لهم جميل المثل المشهور : ان فأسا ليس فيها عود ألقيت بين شجر ، فقال بعض الشجر لبعض : ما القي هذا هاهنا لخير ، فقالت لهم شجرة عادية :
ان لم يدخل في است هذا عود منكن فلا تخفنه .
تحويل الدواوين من الرومية إلى العربية :
وكان يتقلد ديوان الشام بالرومية ، لعبد الملك ولمن تقدمه ، سرجون ابن منصور النصراني ، فأمره عبد الملك يوما بشيء ، فتثاقل عنه ، وتوانى فيه . فعاد لطلبه ، وحثه فيه ، فرأى منه تفريطا وتقصيرا ، فقال عبد الملك لأبي ثابت ، سليمان بن سعد الخشي - وكان يتقلد له ديوان الرسائل - أما ترى ادلال سرجون علينا ؟
وأحسبه قد رأى أن ضرورتنا اليه وإلى صناعته ، أفما عندك حيلة ؟ قال :
لو شئت لحولت الحساب إلى العربية ، قال : فافعل ، فحوله . فرد اليه عبد الملك جميع دواوين الشام .
وحكي أنه كان لعبد الملك كاتب نصراني من أوساط كتابه ، يقال له :
شمعل ، وأنه أنكر عليه شيئا فحذفه بمخصرة كانت في يده ، أصابت رجله