أحد مع أمر اللّه ولزوم أدبه ، فأخلفه ما تقدم اللّه به من وعده ، قال :
« لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ »
، فمتى كنت يا أمير المؤمنين موجبا شكره ، لم تجد خلفا فيما وعد من فضله وزيادته . فقال الحسن بن سهل : مما حفظ يا أمير المؤمنين عن العالمين قولهم : لا تخافوا اللّه مع الاحسان ، على أنفسكم ، وخافوا أنفسكم على التقصير الموجب لحلول العقوبة بكم .
وكان يكتب لطاهر بن الحسين رجل يعرف بعيسى بن عبد الرحمن ، فأنفذه إلى الفضل بن سهل ، وطاهر مقيم بالجزيرة ، والفضل بخراسان ، وقد كان الشغب الذي حدث بينهما ظهر ، فأنفذ طاهر عيسى هذا يظهر الاعتذار ، ويستبقي مخاطبته إياه ، فورد عسكر المأمون بمرو ، وكثير ممن بها من الوجوه عاتب على الفضل ، فحضره وبحضرته عبد اللّه بن مالك الخزاعي ، وهو أشدهم عتبا ، فكلمه بكلام كثير ، أغلظ له به ، وعرض له بكل ما يكرهه ، ثم قال بعقبه : فلولا أني رسول مأمون ما قلت ما قلته ، فقال له الفضل : أفما خشيت في تحمل مثل هذه الرسالة القتل ؟ فقال عيسى : ما شككت في القتل ، ولكني ميلت بين أن آبى على صاحبي تحملها ، وبين أن أقبلها ، فرأيت أني ان لم أتحملها عجل لي القتل ، وحصلت لي مذمة المخالفة ، وان قبلتها كنت قد شكرت نعمته ، وأطعت أمره ، وعشت بينه وبين الأمين أعزه اللّه المسافة التي عشتها ، ثم لعلي أن أكون قد وردت من فضل الأمير وعفوه وحلمه على ما أرجو ألا أبعد عنه ، فقال له الفضل : لو أطعت فيك النصحاء لاسترحت منك ، ولم تكلمني في مجلس أمير المؤمنين ودار الخلافة بما كلمتني به ، فقال له عيسى : وما رأي النصحاء أعز اللّه الأمير ؟ فقال له الفضل : أن كنت أضرب عنقك قبل أن تصل إلي ، وأرد رأسك في مخلاة إلى صاحبك ، فأكون قد قطعت يده ولسانه ، فقال له عيسى : أنا يده ولسانه لا واللّه لو أن صاحبي أخرج يده من مضربه لوجد حوله سبعين ، بل سبع مائة ، بل سبعة آلاف ، كلهم أغنى وأجزأ وأكفى مني ، ومن أنا فيمن قد عضده اللّه به ، وأعطاه من كفاته . فبلغ هذا الكلام من الفضل كل مبلغ .
وكان عيسى كاتب طاهر لما دخل مجلس الفضل نزع قلنسوته ، وجعلها إلى جانبه ، ثم فعل ذلك مرارا ، فقال نعيم بن حازم ليعقوب ابن عبد اللّه ، وكان يعقوب آلفا لعيسى : ان أبا العباس - يعني عيسى - إذا جلس في مجلس الأمير - يعني الفضل - رفع قلنسوته عن رأسه ، وهذا استخفاف منه بالأمير ، وقد أنكره الناس ، وتكلموا فيه ، فأعلمه ذاك ، ليمسك عنه فيما يستقبل ، فإنه ان عاود دنوت منه ، ورددتها على رأسه بعنف وانكار ، فقال يعقوب لعيسى ذلك ، فقال له : بأي شيء رددت عليه ؟ قال : قلت له : انه محرور ، ولعله قد استأذن الأمير في ذلك ، أن كان لا يجهل ما يأتي