تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوزراء والكتاب — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
أقذر بدنيا ينال المخطئون بها * حظ المصيبين والمغرور مغرور
وصرفه . ولما رأى الفضل بن الربيع قوة أمر المأمون ، واتصال ضعف محمد وتخليطه ، وانفلال الناس عنه ، وتمزق الأموال التي كانت في يده ، استتر في رجب من سنة ست وتسعين ومائة ، وتمم استتاره إلى أن غلب على بغداد محمد بن أبي خالد ، وحارب الحسن بن سهل ، وغلبه على ما بينها وبين واسط ، فاستأمنه الفضل بن الربيع وظهر ، ولم يزل ظاهرا إلى أن غلب إبراهيم بن المهدي على الامر ، وتسمى بالخلافة ، فصار اليه ، فرسمه بحجابته ، فكان فتيان آل الربيع يقومون بها ، ليرفع الفضل عنها ، ثم اختل أمر إبراهيم ، واتصلت الاخبار باجماع المأمون ورود العراق ، فعاد الفضل إلى استتاره . وتقلد موسى بن أبي الزرقاء فارس ، فاستكتب علي بن أبي كبير الكوفي ، وكان شاعرا ظريفا صاحب شراب ولهو ، فشرط عليه ألا يأتيه في يوم جمعة ، فاحتاج موسى إلى حضوره في يوم الجمعة لأمر طرقه ، فوجه اليه فأحضره ، فحضر وهو شارب ، فقال له : ويحك ! ما ذا تشرب ؟ قال : أقرب ما أحل اللّه ، مما حرم اللّه . فهل شربت - أصلحك اللّه - شرابا قط ، حتى لانت أعطافك ، وسخت نفسك ، وحبب إليك جلساؤك ؟ قال : لا واللّه ، قال : فهل خرجت في صيد فبادرت أصحابك إلى طريدتك ، ووثبت عن دابتك ، وتوليت ذبحها بيدك ؟ قال : لا واللّه ، قال : فهل عشقت حتى راسلت وكاتبت ، ووعدت وتوقعت ؟ قال : لا واللّه ، قال : فو اللّه ما ذقت لذة العيش قط ، ولا تفلح أبدا . ولما استتر الفضل بن الربيع صار زهير بن المسيب إلى داره في شارع الميدان ، فسكنها رعاية لحرمته ، ولحقوق كانت بينه وبين الفضل ، وأراد بما فعله حفظها عليه . فلما صار فيها أقام في حجرة منها كانت تعرف بدار الذهب ، وأقر حرم الفضل وخدمه وأسبابه في مواضعهم منها ، ودعا بسليم خادم الفضل ، فقال له : اني انما سكنت هذه الدار ، لكيلا يطمع فيها أحد ، ولا يجترئ على دخولها ، ولأصون من فيها من أسباب أبي العباس ، ودفع اليه عشرة آلاف دينار ، وقال : انفقها على عيال أبي العباس ، فإنما أنا حافظ لهم ولهذه الدار ، فشكر الفضل له ذلك ، وأمر برد الدنانير عليه ، فلما ورد المأمون العراق أسكنها القاسم بن الرشيد ، فلم يزل فيها إلى أن ظهر الفضل ، فنقله عنها ، وسلمها اليه .