انتباه الذئب ، همه بطنه ، لا ينكر زوال نعمة ، ولا يروي في امضاء رأي ، قد شغله كأسه ولهوه عن مصلحته ، والأيام توضع في هلاكه . ثم أقبل علي ، فقال لي : انما نحن وأنت يا أبا الحارث شعب من أصل ، ان قوي قوينا ، وان ضعف ضعفنا ، وان هذا الرجل قد القي بيده القاء الأمة الوكعاء ، يشاور النساء ، ويخلد إلى الرؤيا ، وهو يتوقع الظفر ، ويتمنى عقب الأيام ، والحتف أسرع اليه من السيل إلى قيعان الرمل ، وقد خشيت واللّه أن نهلك لهلاكه ، ونعطب بعطبه ، وقد فزعت إليك في لقاء هذا الرجل لامرين ، أحدهما : صدق طاعتك ، وفضل نصيحتك ، والثاني : يمن نقيبتك ، وشدة بأسك ، والاقتصاد رأس النصيحة . فاشتط عليه أسد فيما التمسه من الأموال ، والعتاد ، والرجال ، والسلاح ، فصار به إلى محمد ، وعرفه ذلك ، فغضب ، وأمر بحبسه .
وكان الفضل بن الربيع يقول :
مسألة الملوك عن حالهم من تحية النوكي ، فإذا أردت أن تقول : كيف أصبح الأمير ؟ فقل : صبح اللّه الأمير بالكرامة ، وإذا أردت أن تقول : كيف يجد الأمير نفسه ؟ فقل : أنزل اللّه على الأمير الشفاء والرحمة فان المسألة توجب الجواب ، فإن لم يجبك اشتد عليك ، وان أجابك اشتد عليه .
وأهدى أبو العتاهية إلى الفضل نعلا ، وكتب اليه :
نعل بعثت بها لتلبسها * تسعى بها قدم إلى المجد
لو كنت أقدر أن أشركها * خدي جعلت شراكها خدي
وكان أبو نواس ينادم محمدا ، ويخص به ، وله فيه أشعار كثيرة ، ومعه أخبار مشهورة ، فقال الفضل بن سهل يزري على محمد به ، ويعيبه باحتماله إياه : وكيف لا يستحل قتال محمد وشاعره يقول في مجلسه ما لا ينكره عليه ؟ وهو :
ألا سقنى خمرا وقل لي هي الخمر * ولا تسقني سرا إذا أمكن الجهر
فبلغ ذلك محمدا ، فأمر باحضار أبي نواس ، فأحضره وعنده سليمان ابن أبي جعفر ، وقد كان اتصل بمحمد عنه أنه قال :
وقد زادني تيها على الناس أنني * أراني أغناهم وان كنت ذا عسر
ولو لم أنل فضلا لكانت صيانتي * فمي عن جميع الناس حسبي من الفخر
فلا يطمعن في ذاك مني طامع * ولا صاحب التاج المحجب في القصر
وهذه الأبيات من قصيدة له جيدة ، وأولها :