والقلة ، وجرح الموت أيسر من جرح الضيم والذل ، فقال المأمون : بايثار حب الدعة صار من صار إلى فساد العاقبة في أمر دنياه وآخرته ، وكتب يمنعه من ذلك ، ويدفعه عنه .
ثم تقدم المأمون إلى الفضل بن سهل أن يكتب إلى محمد بالبعثة اليه بحرمه وولده ، وكان له ببغداد ابنان من أم عيسى بنت موسى الهادي ، نزولا معها في قصر المأمون ، وبمائة ألف دينار ، كان الرشيد أوصى له بها من بيت المال ، فأجابه بأنه قد صرف المال في أمور المسلمين ، فيما هو أولى مما أوصى به الرشيد ، وأن حرمه وولده يجرون عنده مجرى حرمه وولده ، وأنه لا يرى تعريضهم لما عرضهم له من مشقة السفر ، وغرر الطريق ، وأنه إذا رأى لذلك وجها أذن له فيه ، فاستحكمت وحشة المأمون ، وعلم مذهب محمد فيه ، وأخذ في أهبة التحرز منه .
خلع المأمون :
ولما استوسق الامر لمحمد ، زين له الفضل بن الربيع خلع المأمون ، وكان يخافه أن أفضى الامر اليه ، وعاون الفضل على ذلك علي بن عيسى ابن ماهان ، فكتب إلى جميع العمال بالدعاء لموسى بن محمد بعد الخليفة ، وخلع المأمون ، وبلغ المأمون ذلك وما أحدثه لموسى ابنه بعده من أمر الخطبة .
وندب الفضل بن سهل طاهر بن الحسين للشخوص إلى الري ، ورآه متثاقلا ، فقال له : ما أمنيتك ؟ قال : أمنيتي أن أخطب على منبر فوسنج ، ويكون في صندوقي مائة ألف درهم ، فولاه فوسنج ، وأمر له بمائة ألف درهم ، وتركه أياما ، ثم دعاه إلى الشخوص ، فأجابه ، فقال الفضل : إذا نال الرجل المنى ، خاض الدماء .
وكان الحسين بن مصعب بفوسنج ، فلما قدم إلى حضرة المأمون ، وعرف خبر ابنه طاهر ، أنكر تعرضه لما تعرض له ، فقال : الفتن لا يتعرض فيها الا كل خامل ، لا أصل له ولا نباهة ، ليذكر فيها ، أو يعطب فلا يبالي ، وأنت فلك قديم مؤثل ، فقال له : لم يذهب علي ما قلت ، ولكني خفت ان لم أقبل ما دعيت اليه ، أن يقلد الامر غيري وأضم اليه ، فلأن أكون متبوعا ، أفضل من أكون تابعا .
قال عبيد اللّه بن الحسن بن سهل سمعت أبي يقول :
لما انتهى إلى الفضل بن سهل خبر علي بن عيسى ، وخروجه من العراق ، أمر القواد كلهم بجمع أولادهم ، فأتى الحسين بن مصعب بطاهر ،