تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوزراء والكتاب — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
فلما رأى طاهرا أعرض عن غيره ، وكان أعور كريه الوجه مشمرا ، وجعل يقول : هو هو ، ثم عقد له على الري ، فرمى الحسين بن مصعب نفسه بين يديه ، واستعفاه من انفاذه ، وقال له : اني لم أقل هذا اشفاقا عليه ، ولكن خوفا من أن يحدث عليك حادثة يعسر تلافيها ، فو اللّه لقد كنت أراه في ولاية علي بن عيسى خراسان ، وأنه ليقف بين يديه في جملة خلق كثير ، وفرائصه ترعد منه . ولعله أن ينظر اليه بتلك العين ، فقال له الفضل بن سهل : أمسك ، فقد عقدت له عقدا لا ينقض نيفا وستين سنة . ولما عزم محمد على مكاتبة المأمون بأن ينزل له عن بعض أعماله ، تقدم إلى إسماعيل بن صبيح أن يكتب اليه في ذلك ، فقال : يا أمير المؤمنين ان مسألتك له الصفح عن بعض ما في يديه توكيد للظن ، وتقوية للتهمة ، ومدعاة للحذر ، ولكن تكتب اليه وتعرفه حاجتك اليه ، وشوقك إلى قربه ، وايثارك الاستعانة برأيه ومشورته ، وتسأله القدوم عليك ، فان ذلك أحرى أن لا يوحشه ، فقال : أكتب بذلك ، فكتب به ، فلم يلتفت اليه المأمون ، ولا أجابه عنه . ثم ألح الفضل بن الربيع على محمد في خلع المأمون ، وقوي عزمه فيه ، وأعانه عليه علي بن عيسى ، فبايع لابنه موسى بالعهد بعده ، وسماه : « الناطق بالحق » ، وخلع المأمون والقاسم ، وكتب الفضل بن الربيع عنه بذلك ، وبالنهي عن الدعاء لهما على المنابر ، وأحضر عبد اللّه بن محمد أحد الحجبة ، وسأله التلطف في أخذ الكتابين اللذين كان الرشيد علقهما في بيت اللّه الحرام بالبيعة ، ففعل ذلك . وسرقهما وصار بهما اليه ، فدفعهما الفضل إلى محمد ، فمزقهما . وسارت الركبان في الآفاق بغدر محمد ، وبحسن سيرة المأمون ، فاستوحش الناس منه ، وانحرفوا عنه ، وسكنوا إلى المأمون ، ومالوا اليه . وكان محمد لما أجمع على خلع المأمون شاور يحيى بن سليمان في ذلك ، فقال له : وكيف بذلك يا أمير المؤمنين مع ما وكده الرشيد من بيعته ، وتوثق في عهده عند خاصته وعامته ؟ فقال له محمد : ان ذلك كان فلتة وخطأ من رأي الرشيد ، شبه عليه فيه جعفر بن يحيى بسحره ، فغرس لنا غرس مكروه ، لا ينفعنا ما نحن فيه الا بقطعه ، وأنت رجل مهذار ، ولست بذي رأي مصيب ، والرأي إلى الشيخ الموفق ، والوزير الناصح ، قم فالحق بمدادك وأقلامك ، يعني محمد بهذا القول الفضل بن الربيع .