تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوزراء والكتاب — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
وهو في بيت مرشوش ، وفيه حصير ومساور جلود ، وجيء بماء فغسل يديه ، وأمرني بغسل يدي ، ثم جاءته الجارية بمائدة ، عليها رغفان ، وبقل ، وخل ، وملح ، وأتته سكباج ، فأكلنا منها ، حتى لم يبق منها شيء ، ثم قال : يا جارية ، هي طيبة فزيدينا منها ، فزادتنا ، ثم أتت بلون آخر ، فتناولنا منه ، ثم رفعت المائدة ، وغسلنا أيدينا ، ثم قال : هات الآن حاجتك ، فأديت اليه رسالة صاحبي ، فقال : وكم خراجه ؟ فقلت : ثمانية عشر ألف درهم ، فدعا بالدواة والقرطاس ، وكتب إلى عامله بترك العرض للوكيل ، وأعطاه روزابها للاحتساب بها في أرزاقه ، ثم قال : وكم خراجك أنت في نفسك ؟ فقلت : قد حملت أصلحك اللّه على نفسك ، وما كنت لأكلفك شيئا لي ، قال : إذا لا أعطيك الكتاب في أمر صاحبك ، فقلت له ، بعد أن حادثته ساعة : ثمانية آلاف درهم ، فكتب لي أيضا باحتمالها .

حج الرشيد :

وكان الرشيد حج بعد نكبة البرامكة ، والمدبر لأمره الفضل ابن الربيع ، فلما صار بمكة رأى في الحجر رجلا له هيئة وسمت يصلي ، فقال للفضل : يا عباسي ، جئني بهذا الرجل ، فقصده الفضل وهو قائم في صلاته ، فانتظر انفتاله من الصلاة ، فأطالها ، فجذب ثوبه الفضل وقال له : أجب أمير المؤمنين ، فخفف الرجل صلاته ، وقال له : مالي ولأمير المؤمنين ! فقال : هو ما ترى وتسمع . فقام وهو يتهادى في مشيته من الكبر . قال : فلما أتيت به الرشيد عرفته خبره ، فدعا به لما فرغ من طوافه ، فلما رآه قال له : من الرجل ؟ فقال له : يا أمير المؤمنين ، ان الانساب تمنع من الاكتساب ، فقال له : لتخبرني ، قال : فأذكر نسبي آمنا ؟ فأمنه ، فانتسب إلى الحسين بن علي بن أبي طالب ، فقذفت له في قلب الرشيد رحمة ، ثم قال له : ان أمير المؤمنين قد قدر عندك ، لما رأى من سمتك ، إصابة الرأي ، فما عندك فيما كان من أمير المؤمنين من العهد الذي عهده إلى ولاة العهد ؟ فاستعفاه ن الجواب ، فلم يعفه ، وقال له : أنت آمن ، فقل بكل لسانك كل ما عندك ، فقال : يا أمير المؤمنين ، رأيتك قد أخذت ثلاثة أسياف مشحوذة فجعلتها في غمد واحد ، فانظر ما يكون بينها ، فأطرق الرشيد مليا ، ثم قال للفضل بن الربيع : يا فضل : أعطه ثلاث مائة دينار ، وأجعلها عليه في كل شهر باقي عمر أمير المؤمنين . وحضر ديوان الخراج في أيام الرشيد شيخ من قدماء الكتاب ، ومعه توقيع الرشيد بقضاء دين عليه ، فعني الكتاب به ، وزجوا كتابه ، فقال لهم : أحفظوا عنا ثلاثا : الجوار نسب ، والمودة نسب ، والصناعة نسب . وكان فرج الرخجي مملوكا لحمدونة بنت الرشيد ، وهي المعروفة بحمدونة بنت غصص ، ولحق ولاؤه بالرشيد ، وكان زياد أبوه من سبى معن
الوزراء والكتاب — صفحة 175 | أبو عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري