وفيه يقول الخريمي :
زاد معروفك عندي عظما * انه عندك مستور يسير
تتناساه كأن لم تأته * وهو عند الناس مذكور كثير
مديح وحاجات :
وقال محمد بن يوسف للخريمي : ما بال مديحك منصور بن زياد خيرا من مراثيه ؟ فقال الخريمي : لأن المدح للرجاء ، والمراثي للوفاء ، وبينها بون بعيد .
قال الفضل بن محمد بن منصور بن زياد :
أتيت عبد اللّه بن العباس العلوي في حاجة لبعض جيراننا ، بعد وفاة أبي ، وكانت بينه وبيني مودة وثقت بها ، ثم قلت له : جئت في حاجة ان سهل قضاؤها أعظم الأمير بها المنة ، وان تعذر فالأمير معذور ، فقال لي :
يا حبيبي ، إذا كنت معذورا فلم جئتني ؟ أحفظ عني : إذا أوجبت على نفسك أن تنهض لرجل في حاجة ، فأغضب بها وأرض ، والا فالزم منزلك .
وكان عبد اللّه بن مالك ولي خراج طساسيج خرجان في أيام الرشيد ، وكان يكتب له حماد بن يعقوب ، وكان لعمرو الأعجمي هناك ضيعة ، فقال عمرو لليمان بن مسلمة كاتبه : لو صرت إلى حماد بن يعقوب ، كاتب عبد اللّه ابن مالك ، فسألته أن يكلم صاحبه في وضع شيء من خراجنا عنا ، وأديت اليه رسالة مني في ذلك ؟ فصار اليمان إلى جاب حماد ، فقدم اليه غلام أسود بغلة قد ألجمها على رسنها ، فلما ركب قرعت سلسلة الرسن حديدة اللجام ، فآذاه صوته ، فقال : يا غلام ، أليس قد تقدمت إليك ألا تلجم البغلة على رسنها ، ثم عدل إلى بعض المساجد فنزل ، وخلع الغلام الرسن ، وأعاد اللجام ، وحمل الرسن معه ، فقلت في نفسي : ما عند هذا خير ؟ كم ترى هذا يسمح أن يتحمل لصاحبي من الخراج ؟ قال : ثم قلت أكلمه على كل حال إذ قد صرت اليه ، فكلمته ، فقطع علي الكلام ، وقال :
إذا استقر بنا المجلس ، فسل حاجتك ، ثم صار إلى دار صاحبه ، ثم إلى ديوانه ، فجلس على بارية « 1 » ، ونظر في أعماله ، ونفذ أموره إلى نصف النهار ، ثم ركب ، وأمرني بالركوب ، ففعلت ، فلما بلغنا باب منزله دقه الغلام ، فخرجت جارية خلاسية « 2 » ، ففتحته ، ودخل فأذن لي ، فدخلت ،
هامش
( 1 ) البارية : الحصير المنسوجة .
( 2 ) الخلاسية : الجارية بين أبيض وسوداء أو بين أسود وبيضاء .