عنها ، فأمر بحبسه . قال : ثم جلس الرشيد جلوسا عاما في مضرب خز أسود ، استدارته أربع مائة ذراع ، وفي أركانه أربع قباب مغشاة بخز أسود ، وهو جالس في فازة « 1 » خز سوداء ، في وسط المضرب ، والعمد كلها سود ، وعليه جبة سوداء خز بغير قميص ، وعليها فنك « 2 » قد استشعره ، لشدة ما هو فيه من البرد والعلة ، وفوقها دراعة خز سوداء مبطنة بفنك ، وعلى رأسه قلنسوة طويلة ، وعمامة خز سوداء ، وطيلسان أسود ، وسيف بحمائل ، وتحته أحد عشر فراشا خزا أسود ، والوسائد والمخاد وسائر ما يقرب منه خز أسود ، وهو لما به ، وخلف المسند خادم يمسكه بيده ، لئلا يميل ، والفضل بن الربيع جالس بين يديه ، فقال للفضل : مر بكرا باحضار ما معه من الكتب السرية ، فأنكرها وقال : وما معي الا الكتب التي أوصلتها ، فقال الرشيد للفضل : توعده ، وأعلمه أنه ان لم يفعل بلغت منه غاية المكروه ، فأقام بكر على الانكار والجحود ، فسمعته يقول للخادم بصوت خفي : قل للفضل : قنبوه ، فنحي بكر ، وجيء بالقنب ، فقنب من قرنه إلى قدمه ، قال بكر : فأيقنت بالموت ، ويئست من نفسي ، وعملت على الاعتراف ، فاني على ذلك حتى أمر باحضار مروان أخي رافع ، وقرابته الذي كان معه ، فأحضر ، فقال له الرشيد : أيتوهم رافع انه يغلبني ، واللّه الذي لا إله إلا هو ، لو كان معه عدد نجوم السماء ، لتلقطتهم واحدا واحدا ، حتى أقتلهم عن آخرهم ، فقال مروان : اللّه اللّه فيّ يا أمير المؤمنين ، فان اللّه أعلم وأهل خراسان جميعا أني ما زلت بريئا من أخي ، ومما هو عليه منذ عشرين سنة ، واني لأشير عليه بلزوم الطاعة ، وترك ما هو بسبيله ، فلا يقبل ، وانني لملازم لمسجدي وصلاتي ومنزلي ، فاتق اللّه فيّ ، وفي هذا الرجل ، فقال له قرابته : قطع اللّه لسانك ! انا واللّه كذا وكذا ندعو بالشهادة ، فلما رزقناها على يدي شر خلقه ، أخذت في الاعتذار . فاغتاظ الرشيد من ذلك ، وقال : علي بجزارين ، فقال له قرابة مروان ، أفعل ما شئت ، فانا نرجو أن يرزق اللّه الشهادة ، ونقف نحن وأنت بين يدي اللّه عز وجل في أقرب مدة ، فتعلم كيف يكون حالك ، فنحيا ، وأمر القوم بتفصيلهم عضوا عضوا : فو اللّه ما فرغ منهما حتى توفي الرشيد .
قال بكر : فأنا أتوقع خروج نفسي ، حتى أتاني غلام لأبي العتاهية قد بعث به إلي مولاه ، وكتب في راحته شيئا ، فقرأته ، فإذا هو :
هي الأيام والغير * وأمر اللّه ينتظر
هامش
( 1 ) الفازة : خيمة بعودين .
( 2 ) الفنك : دابة يلبس جلدها فروا .