قال : فسألت السجان عنها ؟ فقال : قالها البارحة لما أتيته بالمصباح .
وذكر عيسى بن يزدانيروذ ، وكان أحد كتابه ، قال :
دعاني الرشيد وأخلاني وأدناني جدا جدا ، ثم سألني عن حال جعفر ، وهل وقفت على أنه أراد غدرا به ، أو حيلة لقتله ؟ قال : فحلفت له أيمانا أكررها اني ما عرفت هذا منه قط ، ولا وجدته حائدا عن طاعة ، ولا مقصرا في موالاة ، ولا تاركا معاداة من ظن به انحرافا عنه ، وموالاة من وثق بموالاته ، قال : فاستعادني اليمين ثلاثا ، فلما كررتها بكى وقال : يا أسفي عليك يا جعفر ! قال : ثم أمر برد مالي علي ، وتقليدي ما كنت أتقلده أيام جعفر ، وهو الطراز ، وقال لي : قد جعلت الفضل بن الربيع بيني وبينك ، فالقه .
الشاشية :
وكان عيسى بن بزدانيروذ أول من لبس شاشية من الكتاب ، وكان سبب ذلك أنه احتاج إلى لبس القباء والسيف ، من أجل ما يتقلده من نفقات الخاصة ، فلبس شاشية .
وفاة ابن خالد والفضل :
ثم توفي يحيى بن خالد حتف أنفه في الحبس بالرقة ، بعد انصراف الرشيد من الري بثلاثة أيام ، في المحرم سنة تسعين ومائة ، وسنه أربع وستون سنة ، فجأة من غير علة تقدمت ، وصلى عليه ولده ، فاغتم الرشيد غما شديد ، وقال : اليوم مات أعقل الناس وأكملهم ، ثم وجه إلى ولده : هل أوصى بشيء ، أو تقدم في شيء ؟ فقالوا : ما عرفنا شيئا من ذلك ، بلى ، وجدنا كتابا كتبه وختمه ووضعه تحت رأسه ، فوجه الرشيد بمن أخذه ، وصار به اليه ، فكان فيه : قد تقدم الخصم ، والمدعى عليه في الأثر ، والحاكم لا يحتاج إلى بينة .
ودفن بالرافقة « 1 » على شاطئ الفرات ، وبني على قبره بناء عال .
ثم توفي الفضل بن يحيى من علة نالته من رطوبة في شقه ولسانه ، ثم تزايدت عليه إلى أن مات في يوم السبت لخمس خلون من المحرم ، سنة ثلاث وتسعين ومائة ، قبل وفاة الرشيد بخمسة أشهر ، وكانت سنه خمسا وأربعين سنة ، وصلى عليه أكثر الناس ، واشتد الجزع من الخاصة والعامة عليه ، واغتم عليه جميع من عرفه ، وكثر التضاغط والتزاحم في جنازته ، ودفن إلى جنب قبر أبيه ، فقال بعض الشعراء :
ليس نبكي عليكم يا بني بر * مك أن زال ملككم فتفضى
هامش
( 1 ) الرافقة : بلد على الفرات ، وتعرف اليوم بالرقة .