ويفضي إلي بسره . فوجدته مفكرا مهموما ، ورأيته متشاغلا بحساب النجوم وهو ينظر فيه ، قال : فقلت له : اني لما رأيت البغل مسرجا سرني ، لأني قدرت انصراف العلة ، وأن عزمك الركوب ، فقد غمني ما أراه من همك .
قال : فقال لي : لهذا البغل قصة ، وذاك اني رأيت البارحة في النوم كأنني راكبه ، حتى وافيت رأس الجسر من الجانب الشرقي ، فوقفت ، فإذا أنا بصائح يصيح من الجانب الآخر :
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا * أنيس ولم يسمر بمكة سامر
قال : فضربت بيدي فوق قربوس السرج وقلت :
بلى نحن كنا أهلها فأبادنا * صروف الليالي والجدود العواثر
قال : فانتبهت ، فلم أشك أنا أردنا بذلك المعنى ، فلجأت إلى أخذ الطالع ، فأخذته ، وضربت الامر ظهرا لبطن ، فوقفت على أنه لا بد من انقضاء مدتنا ، وزوال أمرنا . قال : فما كاد يفرغ من كلامه حتى دخل مسرور الخادم ومعه جؤنة مغطاة ، وفيها رأس جعفر ، وقال له : يقول لك أمير المؤمنين : كيف رأيت نقمة اللّه من الفاجر ؟ فقال يحيى : قل له يا أمير المؤمنين ، أرى أنك أفسدت عليه دنياه ، وأفسد عليك دينك .
وقال محمد بن إسحاق :
لما قتل جعفر قيل ليحيى : قتل الرشيد ابنك ، فقال : كذلك يقتل ابنه ، قد أمر بتخريب ديارك ، فقال : كذلك تخرّب دياره .
وحكي أن هذا القول من يحيى اتصل بالرشيد ، فسأل عنه مسرورا ، فجحده إياه ، إلى أن أقسم عليه ، فحكاه له ، فقال له : قد واللّه خفت قوله ، لأنه ما قال لي شيئا قط الا رأيته .
وقال عبيد اللّه بن يحيى بن خاقان :
سألت مسرورا الكبير في أيام المتوكل ، وكان قد عمر إليها ، ومات فيها ، عن سبب قتل الرشيد لجعفر ، وايقاعه بالبرامكة ، فقال : كأنك تريد ما تقوله العامة فيما أدعوه من أمر المرأة ، وأمر المجامر التي اتخذها للبخور في الكعبة ؟ فقلت له : ما أردت غيره ، فقال : لا واللّه ، ما لشيء من هذا أصل ، ولكنه من ملل موالينا وحسدهم .
ولما نكب الرشيد البرامكة قال : أريد أن استعمل قوما لم يعملوا معهم ؟
فقيل له : لا تجد أحدا لم يكن يخدمهم . فاختار أشف « 1 » من وقع في نفسه من عيون أصحابهم ، فقلد محمد بن أبان خراج الأهواز وضياعها ، وقلد علي بن عيسى بن يزدانيروذ خراج فارس وضياعها ، وولي الفيض ابن أبي
هامش
( 1 ) أشف : أفضل .