المؤمنين عنكما ؟ وما الذي أرى منكما ؟ فقالا : اشتهينا سكباجا ، فاحتلنا في شري اللحم ، ثم احتلنا في القدر والخل ، حتى إذا وصل جميع ذلك لنا ، وفرغنا من طبخها وأحكمناها ، ذهب الفضل لينزلها ، فسقط أسفلها ، فوقع علينا ، الضحك والتعجب مما كنا فيه ، ومما صرنا اليه ، فذهب مسرور الخادم إلى الرشيد ، فأعلمه بالقصة ، فبكى وقال : أحمل اليهما مائدة في كل يوم ، وأذن لرجل ممن يأنسان به أن يدخل عليهما ، فيحدثهما ، فقال لهما مسرور ذلك ، وسألهما عمن يختارانه ، فاختارا سعيد بن وهب الشاعر ، وكان لهما خادما ، فأذن له في الدخول عليهما . فكان يصير اليهما في كل يوم ، فيتغدى معهما ، ويحدثهما وينصرف .
ثم إن الرشيد بعث مسرورا يوما ، فقال له : أنظر ما يصنعان ، فدخل مسرور بغتة ، فوجد يحيى قاعدا ، والفضل ساجدا ، فقال له : يا أخي ، يا حبيبي ، فلم يجبه ، فدنا منه ، فإذا هو نائم يغط ، فرجع إلى الرشيد فأخبره ، فقال : أي شيء كان عليه ؟ قال : كان عليه طمر قد سمل ، قال :
خذ ذاك الدواج السمور ، فاطرحه عليه ولا تنبهه ، ففعل مسرور ذلك وانصرف ، فلما أحس الفضل بالدفء انتبه ، فقال لأبيه : يا أبت ، ما هذا الدواج ؟ قال : يا بني ، جاء مسرور وهتف بك ، فلم تجبه ، ورأى ما عليك ، فذهب إلى الرشيد فأخبره بذلك ، فرق قلبه لك ، فوجه معه بهذا الدواج ، واني لأرجو أن يكون سبب الرضا عنا ، والفرج لنا . وصار اليهما سعيد بن وهب ، فسأل عن خبر الدواج ، فأعلماه ، فسر وقال : أرجو أن يكون سبب الرضا . فبينا سعيد يحادثهما ، سمع الفضل هاتفا يذكر خشفا معه ليبيعه ، فذكر بذلك بعض من كان يحظيه ، فأظهر اغتماما وقلقا وجزعا شديدا ، ففطن سعيد بحاله ، وسأله ، فأعرض عن اخباره ، وقال له : ما تحفظ مما يشبه ما تراه من الأحاديث والاخبار والاشعار التي رويت ؟ فقال :
فقال : قول مجنون بني عامر :
وداع دعا إذ نحن بالخيف من منا * فهيج أطراب الفؤاد وما يدرى
دعا باسم ليلى غيرها فكأنما * أطار بليلى طائرا كان في صدري
فقال : أحسنت ، خذ الدواج فهو لك ، فأبى أن يفعل ذلك ، وطالبه الفضل بأخذه ، فقال : ما أصنع به إذا أخذته والسجان لا يدعني أخرجه ؟
فأرسل إلى السجان يسأله اطلاق اخراجه له ، فقال : لا بد لي من اعلان مسرور بذلك ، لأني لا آمن أن يتأدى اليه ، وكتب اليه الخبر ، وكتب بالخبر إلى مسرور ، فأنهى ذلك إلى الرشيد ، ففكر مليا ، ثم قال : ما وهبناه له ونحن نريد أن نرتجعه منه ، فليهبه لمن شاء ، فأخذ سعيد الدواج ، ثم نهض ، فقال له الفضل : بقي عليه ما لا آمنه ، قال : وما هو ؟ قال : الخوف