شعر في البخل :
وكان محمد بن يحيى بخيلا ، فصحبه المختم الراسي الشاعر ، بعد أن كان يصحب محمد بن منصور بن زياد ، الذي كان يلقبه الرشيد « فتى العسكر » ، وكان كريما ، فأفاد معه مائة ألف درهم ، فلما مات اتصل بمحمد بن يحيى بن خالد ، فأنفقها معه ، ولم يتعوض منها شيئا ، فقال :
أمحمد لولا النبي محمد * وشرائع الاسلام والايمان
ما كان فيك لغاسل من مغسل * يا طاهرا في السر والاعلان
شتان بين محمد ومحمد * حي أمات وميت أحياني
فصحبت حيا في عطايا ميت * وبقيت مشتملا على الخسران
وكان محمد بن يحيى قبيح البخل ، فدخل يوما أبو الحارث جمير على يحيى ابن خالد ، وكان يألف محمدا ، فقال له يحيى ، يا أبا الحارث ، صف لي مائدة محمد ، قال : هي فتر في فتر ، وصحافه منقورة من حب الخشخاش وبين نديمه وبين الرغيف نقدة « 1 » جوزة ، قال : فمن يحضره ؟ قال : الكرام الكاتبون ، قال : فمن يأكل معه ؟ قال : الذباب . فقال : سوء له ، أنت خاص به وثوبك مخرق ! قال : واللّه ما أقدر على إبرة أخيطه بها ، ولو ملك محمد بيتا من بغداد إلى النوبة مملوءا ابرا ، ثم جاءه جبريل وميكائيل ومعهما يعقوب النبي يضمنان له عنه إبرة ، ويسألانه اعارته إياها ، ليخيط بها قميص يوسف الذي قد من دبر ، ما فعل .
الرشيد يستفسر :
قال الفضل بن مروان حدثني مسرور الكبير ، قال :
دخلت على الرشيد بعد أن قتل جعفر بن يحيى ، وقد خرج من مرقده وهو يريد الخلاء ، فلما رآني أمر بكرسي فطرح له ، وجلس عليه ، ثم قال :
اني سائلك عن أمر ، فلا تطول علي ، فاني أريد التطهر ، ولست أبرح أو تخبرني بما أسألك عنه ، فقلت له : يسأل أمير المؤمنين عما أحب ، فقال :
أخبرني عما وجدته للبرامكة من المال والجوهر ، فقلت له : ما وجدت لهم شيئا من ذلك ، قال : وكيف وقد نهبوا مالي ، وذهبوا بخزائني ! فقلت :
أنفقوا في المكارم ، وأصبت لهم جوهرا لا يشبه أمثالهم ، قال لي : فما يقول الناس فينا وفيهم ؟ فقلت : اللّه اللّه في أمري ، فقال لي : مالك ؟ فقلت :
الصدق يغضبك ، وكان استحلفني ورشيدا والحسين الخادمين أن نصدقه عن كل شيء يسألنا عنه ، فخفت أن أصدقه فلا يعجبه ، لأني كنت صدقته عن شيء من أمر الحرم ، فغضب علي ، وحجبني أربعين يوما ، فأذكرته
هامش
( 1 ) نقدة جوزة : يقصد مسافة طويلة .