تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوزراء والكتاب — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
فأعطاه المال ، وصار به إلى الرجل ، فلما رآه انتهره وصاح به ، وقال له : أنا في هذا الحد ! فرجع إلى الفضل فأخبره ، فظن أنه أستقلها ، فأمره أن يستزيد يحيى عشرة آلاف درهم ، ففعل ، وصار بالمال إلى الفتى ، فأعاد انتهاره ، ثم قال : لو جئتني بما يملكه الخليفة ما قبلته منك ، أنا ممن يأخذ على معروف أجرا ! ثم شخص الرشيد إلى الرقة ، وشخص يحيى ابن خالد معه وهو مطلق ، وحمل ولده جميعا ، موكلا بهم إبراهيم بن حميد المروزي ، فلما وصلوا إلى الرقة ، وجه الرشيد إلى يحيى : أقم حيث أحببت ، فوجه اليه : اني أحب أن أقيم مع ولدي ، فوجه اليه : أترضى بالحبس ؟ فذكر له أنه يرضى ، فحبسه معهم ، ووسع عليهم ، وأطلق لهم وصول ولدهم وحرمهم إليهم ، ووصل أم الفضل بن يحيى بثلاث مائة ألف درهم ، ووجه إليها ثيابا مرتفعة ، وكان أحيانا يوسع عليهم ، وأحيانا يضيق عليهم ، على حسب ما يرقي اليه أعداؤهم ، ويمسكون عنهم . وحكي ان ابنة ليحيى بن خالد دخلت عليه الحبس ، فقالت له : عندي مويل « 1 » قد سلم ، فأي شيء ترى أن أصنع به ؟ فقال لها : شاوري مقبل الامر من كان ، ثم اعملي برأيه ، فاني مدبر ، والمدبر مدبر الرأي ، ولن أشير عليك بشيء ، فتعرفي فيه خيرا . وحكي أن يحيى بن خالد أشتهي في وقت من الأوقات في محبسه وهو مضيق عليه ، سكباجة ، فلم يطلق له اتخاذها الا بمشقة ، فلما فرغ منها سقطت القدر من يدي المتخذ لها ، فانكسرت ، فقال يحيى يخاطب الدنيا :
قطعت منك حبائل الآمال * وأرحت من حل ومن ترحال
ووجدت برد اليأس بين جوانحي * فحططت عن ظهر المطي رحالي
فالآن يا دنيا عرفتك فاذهبي * يا دار كل تشتت وزيال
والآن صار لي الزمان مؤدبا * فغدا وراح عليّ بالأمثال
وذكر أحمد بن خلاد ، قال : حدثني غزوان بن إسماعيل ، قال : لما حبس يحيى بن خالد مع الفضل ولده ، وضيق عليهما ، ومنعا من الناس ، ومنع الناس منهما ، كتب الموكل بهما في بعض الأوقات : اني سمعتهما يضحكان ضحكا مفرطا جدا ، فوجه الرشيد مسرورا يستعلم ذلك ، ومم هو ؟ فأتاهما مسرور وقال : ما هذا الضحك المفرط الذي بلغ أمير المؤمنين ، فأحفظه وقال : ما هذا الا استخفاف بغضبي ، فازداد ضحكا ، فقال مسرور : ليس هذا بصواب ، لأني أتخوف عليكما من عاقبته أعظم مما أنتم فيه ، فما القصة والسبب الذي حدا كما على ما انتهى إلى أمير
هامش
( 1 ) مويل ، أي قليل من المال .