تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوزراء والكتاب — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
ذاك واللّه لأنه لم يعرف لذة الكسل والفسولة . ومما حفظ من كلام أنس : ان اللّه جل ثناؤه جعل الدنيا دار بلوى ، والآخرة دار عقبى ، فجعل بلوى الدنيا عوضا ، فيأخذ ما يأخذ مما يعطي ، ويبتلي ما يبتلى به ليجزي . وأقيم لولد يحيى ما يحتاجون اليه من مطعم ومشرب وملبس ، ولم يقيد أحد منهم ، وقيد جميع كتابهم وقهارمتهم وحاشيتهم وأسبابهم ، ولم يحبس يحيى ، وبقي في منزله موكلا به ، ثم وجه اليه الرشيد يخبره : أي موضع شئت فأقم به ، فوجه اليه : ان كنت راضيا عني فأحب المواضع إلي أن أقيم فيه مكة أو بعض الثغور ، وان لم ترض عني فلست أبرح من موضعي أو ترضى عني . وكان الرشيد كتب ليحيى كتابا بخطه ، يحلف له فيه بأيمان مغلظة : أن لا يبدأه بسوء . ولا يناله بمكروه في نفسه ، ولا في شيء من ماله وحاله ، وأشهد بذلك على نفسه جميع أهله ، ووجوه قواده وأصحابه ، فدفع يحيى الكتاب إلى الفضل ولده ، وأمره بحفظه ، فكان عنده إلى أن أخذ من خزائنه ، ولم يوجد ليحيى بن خالد الا خمسة آلاف دينار ، وللفضل الا أربعين ألف درهم ، ولم يوجد لموسى شيء ، ولا لجعفر شيء ، ووجد لمحمد بن يحيى سبع مائة ألف درهم . وقد ذكر الحارث بن أبي اسامة في كتاب أخبار الخلفاء : أنه وجد لجعفر بن يحيى بركة في داره التي في سويقة جعفر ، فيها أربعة آلاف دينار ، وزن كل دينار مائة دينار ودينار ، وعلى كل دينار من أحد جانبيه :
وأصفر من ضرب دار الملوك * يلوح على وجهه جعفر
ومن الجانب الآخر :
يزيد على مائة واحدا * إذا ناله معسر ييسر
ورأت دنانير ، جارية يحيى بن خالد ، بعد تقضي الامر عنهم ، وتقضي أيامهم ، جماعة من أصاغر أولادهم يلاعبون صبيان العامة ، وقد خالطوهم فقالت :
كأنهم وبنو الغوغاء حولهم * در ومشخلب في الأرض منثور
قال ميمون بن هارون : قيل لعتابة أم جعفر بن يحيى ، بعد نكبتهم ، وهي بالكوفة في يوم أضحى ما أعجب ما رأيت ؟ فقالت : لقد رأيتني في مثل هذا اليوم وعلى رأسي مائة وصيفة ، لبوس كل واحدة منهن وحليها خلاف لبوس الأخرى وحليها ، وأنا في يومي هذا أشتهي لحما ، فما أقدر عليه .
الوزراء والكتاب — صفحة 155 | أبو عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري