قال : فأطرق جعفر ساعة ثم التفت إلى صاحب الشرطة ، فقال له : خذه إليك ، فان أمير المؤمنين أمرك بقتله وبصلبه . فارتعنا لذلك القول ، ولم نعرف الرجل ، ولا الذي في رقعته . قال : فأخذ صاحب الشرطة بيده ، فقال له أنس بن أبي شيخ : أصلبه على أطول عود بالرقة ، قال : فالتفت اليه الحرباني فقال : ان شاء على أطول عود ، وان شاء على أقصره ، ليس واللّه يركبه بعدي غيرك . قال : فعجبنا من صرامته ، ومن ذلك القول ، وذهب به فقتل وصلب . قال : فانتقلنا من موضع إلى موضع ، ومن بلد إلى بلد ، وكان بين هذا القول وبين الحادث على البرامكة ثلاث سنين أو نحوها ، فقتل جعفر بن يحيى بالأنبار ، وحملت جثته إلى بغداد ، فصلبت على الجسرين قطعتين : فلما دخل الرشيد الرقة قال لهم : ما فعل الحرباني الذي كان قال لجعفر ما قال ، وما فعلت خشبته ؟ فقيل له : الخشبة على حالها ، وجسم الحرباني على حاله ، الا أنه قد بلي وبقي منه العظام ، فقال : أنزلوه من الخشبة وأصلبوا جثة أنس عليها . فرأيت أنسا على تلك الخشبة ولم تعرف قصة الحرباني ولا ما كان من أمره ، وعجبنا من انتهاء الخبر في ذلك إلى الرشيد ، وما قال الحرباني لجعفر ، وصحة قوله .
حدثنا محمد بن يحيى المروزي ، قال : حدثنا أبو عثمان عمرو بن بحر ، قال :
كان أنس بن أبي شيخ يكتب لجعفر بن يحيى ، وكان زكيا فهما ، تقي الالفاظ ، جيد المعاني ، حسن البلاغة ، فقتل مع جعفر بن يحيى .
حدثنا محمد بن سعد عن أبيه قال : حدثني الخزيمي ، قال :
كنت يوما عند الفضل بن يحيى ، فدخل أنس فتحدث ، وأنشد ، وتملح ، وأندر ، فأحسن في جميع ذلك ، والفضل ينظر اليه ما ينبض منه عرق ، فأمسكت لامساكه ، فلما قام قلت : من هذا ، جعلت فداك ؟ فقال : هذا أنس عشيق صديقك أبي الفضل ، وما أدرى ما أعجبه منه الا القدر المتيح ذلك .
ثم كنت بعد ذلك عند جعفر بن يحيى ، فدخل سعيد ابن وهب الشاعر ، فتحدث ، وأنشد ، وتملح ، وروى ، وأتى بكل شيء حسن ، وجعفر ينظر اليه ما ينبض له عرق ، فلما قام قلت : جعلت فداك ، من هذا ، قال عشيق صديقك أبي العباس ، هذا سعيد بن وهب ، فما أدري ما أعجبه منه لولا القدر الذي أتاح له ذلك ، وكنت أعرف الناس بأنس وبسعيد ولكني تجاهلت .
وذكر الجاحظ في كتاب « البيان والتبيين » :
أن رجلا دخل على أنس بن أبي شيخ ، ورأسه على مرفقة ، والحجام يأخذ من شعره ، قال : فقلت له : ما يحملك على هذا ؟ فقال لي : الكسل ، قال : فقلت له : ان لقمان قال لأبيه : إياك والكسل ، إياك والضجر ، قال :
الوزراء والكتاب — صفحة 154
مساهمون: أبو عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري
ص١٥٤