وذلك أنه كان الحجاج حمل إلى عبد الملك هدية ومالا عظيما كثيرا ، وهو بحمص ، فأبرز سريره وجمع الناس ، وكان فيمن حضر خالد وأمية ، ابنا عبد اللّه بن أسيد ، فلما نظر إلى الهدية والمال قال : هذه واللّه الأمانة والحزم والنصيحة ، ثم أشار إلى خالد بن عبد اللّه بن خالد ابن أسيد ، فقال : اني استعملت هذا على البصرة ، فاستعمل كل فاسق ، فجبى عشرة وأختان تسعة ، ورفع إلي هذا درهما ، فدفع إلي هذا من الدرهم سدسا ، واستعملت هذا - يعني أخاه - على خراسان وسجستان ، فبعث إلي بمفتاح من ذهب ، زعم أنه مفتاح مدينة ، وفيل وبرذونين حطمين ، واستعملت الحجاج ، ففعل كذا ، فإذا استعملتكم ضيعتهم ، وإذا عزلتكم قلتم : قطع أرحامنا ، قال : فأراح خالد إراحة الفرس ، ثم قال : استعملتني على البصرة وأهلها رجلان : مطيع مناصح ، ومخالف مشايح ، فأما المطيع فاني جزيته بطاعته ، فازداد رغبة ، وأما المخالف فاني داويت عداوته ، واستللت ضغينته ، وحشوت صدره ودا ، وعلمت اني متى أصلح الرجال أجب الأموال ، واستعملت الحجاج فجبى لك المال ، وكنز العداوة في قلوب الرجال ، فكأنك بالعداوة التي كنزها قد ثارت وأنفقت الأموال ، ولا مال ولا رجال ، فسكت عبد الملك . فلما كان هيج الجماجم جلس عبد الملك على باب ذي الأكارع ومعه خالد يندب الناس إلى الفريضة ، ويتأمل خالدا ويذكر قوله ويضحك .
يحيى ينهى الرشيد عن هدم إيوان كسرى :
وأمر الرشيد يحيى بن خالد بالتقدم في هدم إيوان كسرى ، فقال : لا تهدم بناء دل على فخامة شأن بانيه الذي غلبته وأخذت ملكه ، قال : هذا من ميلك إلى المجوس ، لا بد من هدمه . فقدر للنفقة على هدمه شيء استكثره الرشيد ، وأمر بترك هدمه ، فقال له يحيى : لم يكن ينبغي لك أن تأمر بهدمه ، وإذ قد أمرت فليس يحسن بك أن تظهر عجزا عن هدم بناء بناه عدوك ، فلم يقبل قوله ولم يهدمه .
وكان الفضل بن سهل بن زاذانفروخ من قرية من السيب الاعلى ، تعرف بصابرنيتا ، وكان له عم يدعى يزيد بن زاذانفروخ ، فتوكل يزيد بجارية لعاصم بن صبيح ، مولى داود بن علي بالسيب ، وكان ليزيد ولأهله بالسبب ضيعة وبيت ، فأحسن القيام بهما ، وبما توكل فيه ، ووفر ماله ، وحظي عند صاحبته حظوة شديدة ، فاتهمه عاصم لما رأى من افراط حظوته ، فدعا به وهو سكران ، فضربه ضربة بالسيف مات منها ، ووكل بضيعته ومنزله . فصار سهل بن زاذانفروخ أخوه إلى باب يحيى بن خالد متظلما من عاصم بن صبيح في أمر ضيعته ومنزله ، ومطالبا بدم أخيه ، وهو مجوسي