المال ، وأردد العقد على دنانير ، فاني لم أكن لاهب هبة وترجع إلي . قال صالح : فلم أطب نفسا بترك تعريف يحيى ما قاله منصور ، فقلت لما رأيته ، بعد أن أطنبت في شكره ، ووصف ما كان منه : ولقد أنعمت على غير شاكر ، قابل أكرم فعل بألأم قول ، قال : وكيف ذاك ؟ فأخبرته بما قال وما كان منه ، فجعل واللّه يطلب له المعاذير ، ويقول : يا أبا علي ، ان المنخوب القلب ربما سبقه لسان بما ليس في ضميره ، وقد كان الرجل في حال عظيم ، فقلت :
واللّه ما أدري من أي أمريك أعجب ! أمن الأول أم من الثاني ؟ ولكني أعلم أن الدهر لا يخلف مثلك أبدا .
هجاء وتخوف ومدح :
وكان أبو الشمقمق صار إلى منصور بن زياد يسأله أن يبره ، وكان منصور ضيقا بخيلا ، فوهب له عشرة الدراهم ، وبلغ الخبر محمد بن منصور ، فأرسل اليه محمد بمائة درهم ، وأمره بالعودة اليه ليبره ، فأخذها وقام وهو يقول :
لولا ابن منصور وأفضاله * سلحت في لحية منصور
فبلغ ذلك محمدا فقال : انما خفنا هذا ، وما أفلتنا منه .
وكان جعفر يساعد الرشيد على كل شيء ، وكان يحيى يعتب على جعفر من دخوله مع الرشيد فيما يدخله فيه ، ويتخوف عليه من عاقبته ، فذكر أن يحيى كتب إلى جعفر يوما في شيء عتب عليه منه من هذا الجنس :
« اني انما أهملتك ليعثر الزمان بك عثرة تعرف بها أمرك ، وان كنت أخشى أن تكون التي لا شروى لها » .
وقال يحيى لهارون غير مرة :
يا أمير المؤمنين ، اني أكره مداخل جعفر ، ولست آمن أن ترجع العاقبة علي في ذلك منك ، فلو أعفيته ، واقتصرت على ما يتولاه من جسيم أعمالك ، لكان أحب إلي ، وأولى بتفضلك ، وآمن عليه عندي ، فقال له الرشيد :
ليس بك هذا ، ولكن بك أن تقدم عليه الفضل . وكان الفضل لا يشرب النبيذ ، فظن الرشيد أن يتيه عليه ، فكان يعتب عليه .
حدثني أبو الفرج محمد بن جعفر بن حفص ، قال : حدثني أبي ، قال حدثني بختيشوع بن جبريل ، قال : حدثني أبي ، وكان صنيعة البرامكة :
أنه دخل على الرشيد يوما وهو جالس على بساط ، على مشرعة باب خراسان ، فيما بين الخلد « 1 » والفرات ، وأم جعفر من وراء ستر ، فقال لي : قد وجدت أم جعفر شيئا ، فأشر عليها بما تعمل به ، قال : فبينا أنا أنظر في ذلك ارتفعت صيحة عظيمة ، فسأل عنها ، فقيل له : يحيى ابن
هامش
( 1 ) الخلد : قصر للمنصور .