تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوزراء والكتاب — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
فقال : ان أمير المؤمنين قد أحب جمع المال ، وقد كثر ولده ، فأحب أن يعقد لهم الضياع ، وقد كثر على أصحابك عنده ، فلو نظرت إلى ما في أيديهم من ضياع وأموال ، فجعلتها لولد أمير المؤمنين ، وتقربت بها اليه ، رجوت لك السلامة ولهم في ذلك من مكروهه ، فقال يحيى : يا أخي ، جعلني اللّه فداك ، لان تزول عني النعمة أحب إلي من أن أزيلها عن قوم كنت سببا لهم .

انصرف يحيى عن باب الرشيد بعد ما هم بالدخول عليه فعاتبه فتمثل بكلام لعلي :

ودخل يحيى على الرشيد لما ابتدأت حاله في الفساد وهو خال ، فرجع ، فعرف خبره ، فقال لبعض الخدم : الحق يحيى فقل له : خنتني فاتهمتني ، فقال للرسول : تقول له : يا أمير المؤمنين ، إذا انقضت المدة كان الحتف في الحيلة ، وو اللّه ما انصرفت عن خلوتك الا تخفيفا عنك . وهذا كلام لعلي بن أبي طالب ، كرم اللّه مثواه : إذا انقضت المدة كان الهلاك في العدة . وسرق هذا المعنى ابن الرومي فقال :
غلط الطبيب علي غلطة مورد * عجزت محالته عن الاصدار
والناس يلحون الطبيب وانما * غلط الطبيب إصابة المقدار
وكان الرشيد بعد صرف الفضل بن يحيى عن خراسان قلد علي بن عيسى ابن ماهان ، لتكثير وقع عنده على الفضل في الأقوال ، فقتل علي بن عيسى وجوه أهل خراسان وملوكها ، وجمع أموالا جليلة ، فحمل إلى الرشيد ألف بدرة معمولة من ألوان الحرير ، وفيها عشرة آلاف ألف درهم ، فلما وصلت اليه سر بها ، وأحضر يحيى بن خالد ، فقال له : يا أبه ، أين كان الفضل عن هذا ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، ان خراسان سبيلها أن تحمل إليها الأموال ، ولا تحمل منها ، والفضل أصلح نيات رؤسائها ، واستجلب طاعتهم ، وعلي بن عيسى قتل صناديد أهل خراسان وطراخنتها « 1 » ، وحمل أموالهم ، ولو قصدت لدرب من دروب الصيارف بالكرخ ، لوجدت فيه أضعاف هذه ، وسينفق أمير المؤمنين مكان كل درهم منها عشرة ، فثقل هذا القول منه على الرشيد ، فلما انتقض أمر خراسان ، وخرج رافع ابن الليث ، واحتاج إلى النهوض إليها بنفسه ، حتى صار إلى طوس جعل يتذكر هذا الحديث ، ويقول : صدقني واللّه يحيى ونصح لي فلم أقبل منه . واللّه لقد أنفقت مائة ألف ألف وما بلغت شيئا .

مثل من حسن سياسة خالد أيام عبد الملك :

وذكرت بهذا الحديث ما حكي عن عبد الملك بن مروان في أمر الحجاج :
هامش
( 1 ) الطراخنة : جمع طرخان - بالفتح - ، وهو اسم للرئيس الشريف .