تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوزراء والكتاب — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
يشبهك ، ويخرج غدا أصحابنا يستقبلونك ، فتدخل مدخل مثلك ، قال : فقلت له : أنا أعزك اللّه عمر بن مهران ، وقد أمرني أمير المؤمنين باقامتك للناس ، وانصاف المظلوم منك ، وأنا فاعل ذلك ، فمن أوضح ظلامته ، ووجب له عليك حق ، غرمته عنك من مالي ، ومن وجدته كاذبا عاملته بحسب ما يستحقه ، فقال لي موسى : أنت عمر بن مهران ؟ قلت : نعم ، فقال : لعن اللّه فرعون حيث يقول : « أليس لي ملك مصر ! » واضطرب الصوت في الدار ، فقبض كاتبي على الديوان ، وصاحبي الآخر على بيت المال ، وختما عليهما ، ووردت عليه رقاع أصحاب أخباره بذلك ، فنزل عن فرشه ، وقال : لا اله الا اللّه ، هكذا تقوم الساعة ! ما ظننت أن أحدا بلغ من الحزم والحيلة ما بلغت ، قد تسلمت الاعمال وأنت في مجلسي ! ثم نهضت إلى الديوان ، فقطعت أمور المتظلمين منه ، وأزلت ظلاماتهم وقطعتها ، وأحسنت إلى موسى ابن عيسى ، وانصرفت من مصر على بغلتي التي دخلتها عليها ، ومعي غلامي الأسود ، ولم أزد على ذلك شيئا ، وكان ذلك في سنة ست وسبعين ومائة .

أداء الخراج :

وكان بمصر قوم يدافعون بالخراج ، ويكسرون بعضه ، فأحضر عمر أشدهم مدافعة ، والطاطا ، فطالبه ، فاستمهله مدة فأمهله ، ثم طالبه ثانية ، فاستمهله ، فأمهله مدة ، ثم فعل ذلك في الثالثة ، فلما حل الاجل دافعه أيضا ، فحلف بأيمان مؤكدة أنه لا يستأديه الا في بيت المال بمدينة السلام ، ثم أشخصه إلى الرشيد ، وكتب اليه بخبره ، فبذل له الرجل أداء المال ، فأبى عليه أن يقبضه منه ، وأقام على ألا يؤديه الا في بيت المال ، فخاف الناس جميعا منه مثل ذلك ، وسارعوا إلى الأداء ، فلم ينكسر له ، ولا تخلف درهم واحد .

وقائع وأقوال :

وحكي أنه قال لغلامه أبي درة . وقد أهدى له أهل مصر هدايا كثيرة ، لا تقبل منها الا ما يدخل في جراب ، لا تقبل حيوانا ، فقبل من هدايا الناس الثياب والطيب والعين والورق ، وجعل يعزل كل هدية على حدتها ، ويكتب عليها اسم صاحبها ، وجد في استخراج مال مصر ، فزجا منه نجمان ، وتأخر النجم الثالث ، وثلج أصحابه ، فجمعهم وقال لهم : اني قد حفظت عليكم ما أهديتموه إلي ، وأمر باحضاره واحضار الجهبذ ، فما كان من عين أو ورق أجزأه عمن أهداه اليه ، وما كان من ثوب أو غيره باعه وأخذ ثمنه ، حتى استغرق الهدايا كلها ، ونظر فيما بقي بعد ذلك . فطالب به ، فسارع الناس إلى الأداء ، فيقال انه عقد جماعة مصر من غير أن يبقى فيها درهم ، ولم يعهد ذلك من قبله . وكتب عمر بن مهران إلى الخيزران بما كان منه ، وأكثر الاعتداد ،