ويستر خبره ، فلا يعلم موسى بن عيسى به حتى يفجأه ، قال : قد وجدته ، قال من هو ؟ قال عمر بن مهران - وكان عمر يكتب للخيزران ، ولم يكتب لغيرها قط ، وكان رجلا أحول من عينيه ، مشوه الخلق ، خسيس اللباس - فأمر باحضاره ، قال عمر بن مهران : فلقيت يحيى بن خالد ، فعرفني ما جرى ، وراح بي إلى دار الرشيد ، فلما صلى المغرب دعاني ، فوصلت اليه وهو خال ، وبين يديه يحيى بن خالد ، فاستدناني ، ونحى الغلمان ، وأعلمني ما ندبني اليه ، وأمرني أن أستر خبري ، حتى أفاجئ موسى ابن عيسى ، فأتسلم العمل منه ، فأعلمته انه لا يقرأ لي ذكرا في كتب أصحاب الاخبار حتى أوافي مصر . ثم كتب لي كتابا بخطه إلى موسى ابن عيسى بالتسليم ، وودعت يحيى ، وعدت إلى منزلي ، فخرجت منه من غد بكرا على بغلة ، معي غلام أسود ، يقال له أبو دزة ، على بغل استأجرته ، معه خرج فيه قميص ومبطنة وطيلسان وشاشية وخف ومفرش صغير ، واكتريت لثلاثة من أصحابي أثق بهم ، ثلاثة أبغل مياومة ، وأظهرت أنني وجهت ناظرا في أمور بعض العمال ، حتى بلغت الأنبار ، ثم تجاوزتها بلدا بلدا ، كلما وردت بلدا توهم من معي اني قصدته ، وليس يعرف خبري أحد من أهل البلدان التي أمر بها في نزولي ونفوذي ، حتى وافيت الفسطاط ، فنزلت جنانا ، وخرجت منه وحدي في زي متظلم أو تاجر ، فدخلت دار الامارة وديوان البلد وبيت المال ، وسألت وبحثت عن الاخبار ، وجلست مع المتظلمين وغيرهم ، فمكثت ثلاثة أيام أفعل ذلك ، حتى عرفت جميع ما احتجت اليه . فلما نام الناس في ليلة اليوم الرابع دعوت أصحابي ، فقلت للذي أردت استكتابه على الديوان قد رأيت مصر ، وقد استكتبتك على الديوان ، فبكر اليه ، فاجلس فيه ، فإذا سمعت الحركة فاقبض على الكاتب ووكل به وبالكتاب والاعمال ، ولا يخرج من الديوان أحد حتى أوافيك ، ودعوت بآخر ، فقلدته بيت المال ، وأمرته بمثل ذلك ، وكان بيت المال في دار الامارة ، وقلدت الآخر عملا من الاعمال بالحضرة ، وأمرتهم أن يبكروا ، ولا يظهروا أنفسهم حتى يسمعوا الحركة ، وبكرت فلبست ثيابي ، ووضعت الشاشية على رأسي ، ومضيت إلى دار الامارة ، فأذن موسى للناس اذنا عاما ، فدخلت فيمن دخل ، فإذا موسى على فرش ، والقواد وقوف عن يمينه وشماله ، والناس يدخلون فيسلمون ويخرجون ، وأنا جالس بحيث يراني ، وحاجبه ساعة بساعة يقيمني ويقول لي : تكلم بحاجتك ، فأعتل عليه ، حتى خف الناس ، فدنوت منه ، وأخرجت اليه كتاب الرشيد ، فقبله ، ووضعه على عينه ، ثم قرأه ، فامتقع لونه ، وقال : السمع والطاعة ، تقرئ أبا حفص السلام ، وتقول له : ينبغي أن تقيم بموضعك ، حتى نعد لك منزلا
الوزراء والكتاب — صفحة 140
مساهمون: أبو عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري
ص١٤٠