حاكم الحكام !
قال إسحاق بن سعد القطربلي : أخبرنا عمر بن فرج ، قال :
انصرفت مع عمرو بن مسعدة يوما من الشماسية ، والمأمون بها في زلال لعمرو بن مسعدة ، فلما صرنا بإزاء قصر جعفر ، قال عمرو : يا أبا حفص ، سرت أنا وجعفر يوما كمسيرنا هذا ، فلما نظر إلى البناء قال لي :
يا أبا الفضل ، واللّه أني لاعلم أنه ليس من بناء مثلي ، ولكن قلت : ان بقي لي فهو قصر جعفر ، وان شره السلطان وقت من الأوقات فهو قصر جعفر ، وان مضت عليه الأيام فهو قصر جعفر ، ويبقى اسمه وذكره ، ولعله أن يمر به بعض من لنا عنده احسان فيترحم علينا . قال عمرو : فو اللّه لكأن جعفرا كان ينظر إلى ما آلت اليه الحال فيه .
سبب بناء قصر جعفر :
وحكي أن السبب كان في بناء هذا القصر أن متظلما من أهل أصبهان تظلم إلى يحيى بن خالد من عامله بها ، فقال له : أنه ظلمني وأساء معاملتي ، وأخذ ما لا يجب له مني ، وهدم شرفي ، فقال يحيى :
قد عرفت جميع ما تظلمت خلا قولك « هدم شرفي » ففسر لي ذلك ، فقال له المتظلم : أنا من بني رجل كان بنى القصر المهدوم ، وكان ينسب اليه ، وكان الرائي إذا رأى القصر وجلالته ، وعلم اني من ولد الباني له ، عرف بذلك قديم نعمتي ، وجلالة أولي ، فاستحسن ذلك يحيى منه ، وقال للفضل وجعفر : لا شيء أبقى ذكرا من البناء ، فاتخذوا منه ما يبقى لكم ذكرا ، فاتخذ جعفر قصره ، وكذلك الفضل ، وأمر يحيى بانفاذ مستحث مع المتظلم ، يطالب العامل بإعادة بناء قصره ، وانصافه من ظلامته .
وحكي أن جعفرا لما عزم على الانتقال إلى قصره هذا ، جمع المنجمين لاختيار وقت لينتقل فيه اليه ، فاختاروا له وقتا من الليل ، فلما حضر الوقت خرج على حمار من الموضع الذي كان ينزله إلى قصره ، والطرق خالية ، والناس ساكنون ، فلما سار إلى سوق يحيى رأى رجلا قائما وهو يقول :
تدبر بالنجوم وليس يدري * ورب النجم يفعل ما يريد
فاستوحش ووقف ، ودعا بالرجل ، فقال له : أعد ما قلت ، فأعاده ، فقال له : ما أردت بهذا ؟ قال واللّه ما أردت به معنى من المعاني ، ولكنه شيء عرض لي ، وجاء على لساني في هذا الوقت . فأمر له بدنانير ، ومضى وقد تنغص عليه سروره .
تظلم أهل مصر :
وكان موسى بن عيسى الهاشمي يتقلد للرشيد مصر ، وكثر التظلم منه ، واتصلت السعايات به ، وقيل أنه قد استكثر من العبيد والعدة ، فقال الرشيد ليحيى : أطلب لي رجلا كاتبا عفيفا ، يكمل لمصر ،