تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوزراء والكتاب — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
بن داود في طبقات الشعراء : أن يحيى بن خالد اشتهى حفظ كتاب كليلة ودمنة ، فقلبه له أبان شعرا ، ليسهل عليه حفظه ، وذكر أنه أربعة عشر ألف بيت . وكان أبان خاصا بجعفر وبيحيى بن خالد ، وكان يحيى قلده ديوان الشعر ، فكان الشعراء يرفعون اليه أشعارهم في البرامكة ، فيسقط ما يرى اسقاطه ، ويعرض ما يرى عرضه ، فأسقط مرة شعر أبي نواس فيما أسقط ، فقال فيه :
صحفت أمك إذ سمتك في المهد أبانا * قد علمنا ما أرادت لم ترد الا أتانا
صيرت باء مكان التاء واللّه أعانا * قطع اللّه وشيكا من مسميك اللسانا
وذكر إسحاق الموصلي : أن جعفر بن يحيى استبطأه في زيارته ، وشكاه إلى يحيى والده ، وكان شديد الحجاب ، قال : فاعتذرت اليه وقلت : اني ما أخل بحضور دارك ، ولكن ناقدا خادمك يحجبني ، فقال لي وهو يمازحني : إذا حجبك فنكه ، قال : فقصدته يوما بعد ذلك ، فعاود نافذ حجابتي ، فكتبت اليه :
جعلت فداءك من كل سوء * إلى حسن رأيك أشكو أناسا
يحولون بيني وبين السلام * فما أن اسلم الا اختلاسا
وأنفذت رأيك في نافذ * فما زاده ذاك الا شماسا
فلما وصلت رقعتي اليه ضحك ، وأمر بإزالة الحجاب عني ، وكثرت عنده . وذكر إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال : قال لي إبراهيم بن المهدي : خلا جعفر بن يحيى في منزله يوما ، وحضر ندماؤه ، وكنت فيهم ، فتضمخ بالخلوق ، ولبس الحرير ، وفعل بنا مثل ذلك ، وتقدم إلى الحاجب بحفظ الباب الا من عبد الملك بن نجران كاتبه ، فوقع في أذن الحاجب « عبد الملك » ، ومضى صدر من النهار ، وبلغ عبد الملك بن صالح مقام جعفر في منزله ، فركب اليه ، فوجه الحاجب إلى جعفر : قد حضر عبد الملك ، فقال : يؤذن له ، وهو يظنه ابن نجران ، فدخل عبد الملك بن صالح في سواده ورصافيته ، فلما رآه جعفر اسود وجهه ، ورآنا على حالنا ، وكان عبد الملك لا يشرب النبيذ ، وكان ذلك سبب موجدة الرشيد عليه ، لأنه كان يلتمس ندامه فيأبى عليه ، فوقف عبد الملك على ما رأى من جعفر ، فدعا غلامه ، فناوله سواده وقلنسوته ، وأقبل حتى وقف على باب المجلس الذي نحن فيه ، فسلم وقال : أفعلوا بنا ما فعلتم بأنفسكم ، فدنا منه خادم ،