لهم ، فالتمس في ثيابه ما يشاكل ذلك المطرف فلم يجده ، فقالت له ابنته :
لو كتبت إلى جعفر فعرفته حالك ، لوجه إليك ما تلبسه مع هذا ، فكتب اليه :
أبا الفضل لو أبصرتنا يوم عيدنا * رأيت مباهاة لنا في الكنائس
فلو كان هذا المطرف الخزجبة * لباهيت أصحابي به في المجالس
فلا بد لي من جبة من جبابكم * ومن طيلسان من جياد الطيالس
ومن ثوب قوهي وثوب غلالة * ولا بأس لو أتبعت ذاك بخامس
إذا تمت الأثواب في العيد خمسة * كفتك فلم تحتج إلى لبس سادس
لعمرك ما أفرطت فيما سألته * ولا كنت لو أفرطت فيه بيائس
وذاك لأن الشعر يزداد جدة * إذا ما البلى أبلى جديد الملابس
فوجه إلى أبي قابوس من كل صنف ذكره عشر قطع .
ولم تزل كتب الملوك والرؤساء تجري في التوقيعات على أن يوقع الرئيس في القصة بما يجب فيها ، ويذكر المعاني التي يأمر بها ، ولم يكن للكتاب في ذلك الامر شيء أكثر من أن يكتبوا تلك الجملة من التوقيع ألفاظا تشرحها ، ويقرب من العامة فهمها ، ولا تخرجها عن معنى قصد الرئيس ، إلى أيام الرشيد ، فان المتظلمين كثروا على باب جعفر ، وتأخر جلوسه أياما ، ثم جلس ، وكانت القصص قد كثرت ، فنفض أكثرها ، وجاءه رسول الرشيد يأمره بالمصير اليه ، فقال للرسول : قل له : يا سيدي ، الساعة أجيء ، ونظر فيما بقي ، فجاءه الرسول ثانية يستحثه ، وكان في القصص قصة طويلة ، دقيقة الخط رديئته ، فوافاه الرسول وهي في يده ، وأعجله أن يستتمها ، وكان يحتاج في فهمها إلى مدة ، وكره ، وقد نظر إليها في يده ، أن تطرح فيما لم ينظر فيه ، فوقع على ظهرها : « يعمل في ذلك بما يعمل في مثله على سنن الحق وقصده ، وجهة الانصاف وسبيله ان شاء اللّه » .
فورد على الكتاب من ذلك ما لم يرد مثله ، وامتثلوه ، ثم صار ذلك رسما للرؤساء .
سعي جعفر في أخذ العهد للمأمون بعد الأمين ووقائع أخرى :
وكان المأمون في حجر محمد بن خالد بن برمك ، فنقله الرشيد إلى حجر جعفر ، فأشار على الرشيد ببيعته للعهد بعد محمد ، وقام بالامر حتى عقده له ، وشخص به معه من الرقة إلى مدينة السلام ، حتى أكد البيعة له ، وأخذ الايمان على بني هاشم والوجوه بها ، وكاتب العمال في جميع النواحي بذلك ، ثم انصرف إلى الرقة .
وصنع أبان بن عبد الحميد بن لاحق ، مولى الرقاشيين ، كتاب كليلة ودمنة شعرا ، وأهداه إلى جعفر ، فوهب له مائة ألف درهم ، وقد ذكر محمد