وكوني على الواشين لداء شغبة * كما أنا للواشي ألد شغوب
فقال جعفر : بل أكون قما قال الآخر :
وإذا الواشي أتى يسعى بها * نفع الواشي بما جاء يضر
ثم سار جعفر إلى الشام فأصلحها ، وظفر بجماعة ممن سعى بالفساد وشرد آخرين ، حتى استقامت أمورها أحسن استقامة . وله خطبة خطبها وهي :
الحمد لله الذي لم يمنعه غناه عن الخلق من العائدة عليهم ، ولم تمنعه اساءتهم من الرحمة لهم ، دعاهم من طاعته لما ينجيهم ، وذادهم من معصيته عما يرديهم ، كلفهم من العمل دون طاقتهم ، وأعطاهم من النعم فوق كفايتهم ، فهم فيما حملوا مخفف عنهم ، وفيما خولوا موسع عليهم ، وصلى اللّه على محمد نبي الرحمة ، والمبعوث إلى كافة الأمة ، وعلى أهل بيته الطاهرين ، وسلم تسليما .
أما بعد ، فاني أوصيكم بالألفة ، وأحذركم الفرقة ، وآمركم بالاجتماع ، وأنهاكم عن الاختلاف ، قال اللّه جل وعز :
« وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا »
فأمر بالجماعة في أول الآية ، ثم لم ينقص حتى نهى فيها عن الفرقة ، توكيدا للحجة ، وقطعا للمعذرة . ان الفرقة تنشئ بينكم احنا ، يطلب بها بعضكم بعضا ، وان الجماعة : تعقد بينكم ذمما ، يحمي بها بعضكم بعضا ، حتى يكون المكاثر لواحدكم كالمكاثر لجماعتكم ، فمتى يطمع عدو فيكم إذا كانت النائبة تعمكم ؟ ان غفل بعضكم حرسه بقيتكم ، وان غربت طائفة منكم منعها تألفكم . انه لم يجتمع ضعفاء قط الا قووا حتى يمتنعوا ، ولم يفترق أقوياء قط الا ضعفوا حتى يخضعوا ، واجتماع الضعيفين قوة ، وافتراق القويين مهانة تمكن منهما ، غافل الجماعة لا تضره غفلته ، لكثرة من يحفظه ، ومتيقظ الفرقة لا ينفعه تيقظه ، لكثرة من يطلبه ، وصاحب الجماعة يدرك أرشه في الخدش والشجة ، وصاحب الفرقة يذهب حقه في النفس والحرمة .
وفي جعفر يقول مسلم بن الوليد ، في قصيدة طويلة :
استفسد الدهر أقواما فأصلحهم * محمل نكبات الدهر محتمل
به تعارفت الاحياء وأتلفت * إذ ألفتهم إلى معروفه السبل
كأنه قمر أو ضيغم هصر * أو حية ذكر أو عارض هطل
قال الجاحظ :
دخل أبو قابوس النصراني الحيري ، وكان منقطعا إلى البرامكة ، على جعفر بن يحيى في يوم بارد ، فتبين عليه جعفر أثر البرد ، فألقى اليه مطرف خز ، كان شراه جملة كبيرة ، وانصرف أبو قابوس ، فحضره عيد