تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوزراء والكتاب — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
وكان جعفر بن يحيى يقول : الخط سمط الحكمة ، به تفصل شذورها ، وينظم منثورهما . ووقع على كتاب لعلي بن عيسى بن ماهان ، وقد كتب اليه رقعة معتذرا من أشياء بلغته عنه :
كأنا وقد كنا صديقا مصافيا * تباعد بيننا فدام إلى الحشر
ووقع على كتاب آخر لعلي بن عيسى : حبب الينا الوفاء الذي أبغضته ، وبغض الغدر الذي أحببته ، فما جزاء الأيام أن تحسن ظنك بها ، وقد رأيت غدراتها ووقعاتها عيانا واخبارا ، والسلام . ووقع على رقعة لمحبوس : العدوان أوبقه ، والتوبة تطلقه . وكان الأصمعي يألف جعفر بن يحيى ويخص به ، وله فيه مديح كثير ، وحكايات توصف ، وتقريظ وتفضيل ، فمن شعره فيه :
إذا قيل : من للندى والعلى * من الناس ؟ قيل : الفتى جعفر
وما ان مدحت فتى قبله * ولكن بنو برمك جوهر

بخل وهجاء :

وقال يوما جعفر لخادم له : أحمل معنا ألف دينار ، فاني أريد أن أمر بالأصمعي ، فإذا حدثني وأضحكني ، فضع الكيس في حجره ، ثم صار اليه ومعه أنس بن أبي شيخ ، فحدثه الأصمعي بكل شيء ، فلم يضحك ، وانصرف ، فقال له أنس : انه قد اضحك بجهده ، فلم تضحك ، وليس عادتك رد شيء قد أمرت باخراجه من بيت مالك . فقال له جعفر : ويلك ! قد وصلنا هذا بخمس مائة ألف درهم ، ولم أدخل له بيتا قبل هذه الدفعة ، ورأيت حبه مكسورا ، وعليه برنكان منجرد ، وتحته مصلى وسخ ، وكل ما عنده رث ، وأنا أرى أن لسان النعمة أنطق من لسانه ، وان ظهور الصنيعة أمدح وأهجى من مديحه وهجائه ، فعلام أعطيه الأموال ، إذا لم تظهر الصنيعة عنده ، ولم تنطق النعمة بالشكر عنه ، ثم أنشد بيت نصيب :
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله * ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
وكان الأصمعي هجا البرامكة فيما بعد ، وكفر نعمتهم ، فقال عند نكبتهم :
إذا ذكر الشرك في مجلس * أضاءت وجوه بنى برمك
ولو تليت بينهم آية * أتوا بالأحاديث عن مزدك
وكان الرشيد قد أحب الغزو ، وكان من رسمه أن يحج سنة ويغزو سنة ، وكان يلبس دراعة قد كتب من خلفها حاج ، ومن قدامها غاز ، فطلب « نقفور » الهدنة على أن يؤدي اليه عن كل حالم ممن عنده من الروم