سمعت يحيى بن خالد يقول : الدنيا دول ، والمال عارية ، ولنا بمن قبلنا أسوة ، وفينا لمن بعدنا عبرة .
وقائع وأحداث :
ودخل محمد بن زيدان على الفضل بن يحيى ، فقال له : من الذي يقول :
سأرسل بيتا قد وسمت جبينه * يقطع أعناق البيوت الشوارد
أقام الندى والجود في كل منزل * أقام به الفضل بن يحيى بن خالد ؟
فقال له : سلم الخاسر ، فقال له : لا تسمه خاسرا ، وسمه سلما الرابح وأمر له بألف دينار .
ثم غلب سلم على الفضل بن يحيى ، وكثرت فيه مدائحه ، وعظم احسان الفضل اليه ، حتى قال فيه أبو العتاهية :
انما الفضل لسلم وحده * ليس فيه لسوى سلم درك
وكان الرشيد يسمى جعفرا أخي ، ويدخله معه في ثوبه ، وقلده بريد الآفاق ودور الضرب والطرز في جميع الكور .
وكان جعفر بليغا كاتبا ، وكان إذا وقع نسخت توقيعاته ، وتدورست بلاغاته . فحكى علي بن عيسى بن يزدانيروذ انه جلس للمظالم ، فوقع في ألف قصة ونيف ، ثم أخرجت فعرضت على العمال والقضاة والكتاب وكتاب الدواوين ، فما وجد فيها شيء مكرر ، ولا شيء يخالف الحق .
قال ثمامة بن أشرس :
كان جعفر بن يحيى أنطق الناس ، قد جمع الهدو والتمهل والجزالة والحلاوة ، وافهاما يغنيه عن الإعادة ، ولو كان في الأرض ناطق يستغني بمنطقه عن الإشارة لاستغنى جعفر عن الإشارة ، كما استغنى عن الإعادة .
وفيه تقول عنان جارية الناطفي :
بديهته وفكرته سواء * إذا التبست على الناس الأمور
وصدر فيه للهم اتساع * إذا ضاقت من الهم الصدور
وأحزم ما يكون الدهر رأيا * إذا عجز المشاور والمشير
ودفع رجل إلى جعفر رقعة ذكر فيها قصده إياه بأمل طويل ، ورجاء فسيح ، فوقع على ظهرها :
هذا يمت بحرمة الامل ، وهي أقرب الوسائل ، وأثبت الوصائل ، فليعجل له من ثمرة ذلك عشرون ألف درهم ، وإلى حرمته حرمة ، وان قصر عن ذلك فعلينا معوله ، والينا موئله ، وفي ما لنا سعة له .
ورفع رجل إلى جعفر قصة يسأله الاستعانة به ، وكان يعرفه ويخبره ، فوقع :
قد رأيناك فما أعجبتنا * وبلوناك فلم نرض الخبر