إلى من أحسنت اليه ، لأني إذا لم أستتم احسانا فقد أهدرته .
وكان يقول : ما وقع غبار موكبي على لحية رجل قط ، الا أوجبت له على نفسي حفظه ، وألزمتها حقه .
وكان ليحيى قبل الوزارة حاجب ، يقال له سماعة ، فلما تقلد الوزارة رأى بعض اخوانه ان سماعة يقل عن حجابته ، فقال له : لو اتخذت حاجبا غيره ، فقال : كلا ! هذا يعرف اخواني القدماء .
ووقع يحيى إلى رجل ظن به تغيرا عليه :
ينبغي أن تكون على يقين اني بك ضنين ، أريدك ما أردتني ، ان نبوت عني ما كان ذلك بي وبك جميلا ، فان وقعت المقادير بخلاف ذلك ، لم أعد ما يجب ، والذي هاجني على الكتاب إليك ان أبا نوح معروف بن راشد سألني أن أبوح لك بما عندي ، واللّه يعلم اني ما تبدلت ، ولا حلت عن عهد ، جمعنا اللّه وإياك على طاعته ، ومحبة خليفته ، بجوده وقدرته .
وقال يحيى لجعفر ابنه ، يا بني انتق من كل علم شيئا ، فإنه من جهل شيئا عاداه ، وأنا أكره أن تكون عدوا لشيء من الأدب .
وكان يحيى أنكر على إبراهيم بن شبابة الشاعر شيئا ، فكتب اليه رسالة طويلة مشهورة وكتب في آخرها :
أسرعت بي إليك مني خطيئا * تي فجاءت بمذنب ذي رجاء
راهب راغب إليك يرجي * منك عفوا عنه وفضل عطاء
ولعمري ما من أصر ومن تا * ب مقرا بذنبه بسواء
فعفا عن جرمه ورضي عنه .
وكان يحيى إذا رأى من الرشيد شيئا ينكره لم يستقبله بالانكار ، وضرب له أمثالا ، وحكى له عن الملوك والخلفاء ما يوجب مفارقة ما أنكره ، ويقول : في النهي اغراء ، وهو من الخلفاء أحرى ، فإنك وان لم تقصد اغراءه ، إذا نهيته أغريته .
قال عبد الصمد بن علي :
ما رأيت أكرم من يحيى نفسا ، ولا أحلم منه ، جعل على نفسه أن لا يكافئ أحدا بسوء ، فوفى ، فقال أبو الحجناء نصيب الأصغر :
عند الملوك مضرة ومنافع * وأرى البرامك لا تضر وتنفع
أن العروق إذا استسر بها الثرى * أشر النبات بها ، وطاب المزرع
وإذا جهلت من امرئ أعراقه * وقديمه فانظر إلى ما يصنع
وأخذ أبو الحجناء نصيب بيته الآخر من سلم الخاسر ، حيث يقول :
لا تسأل المرء عن خلائقه * في وجهه شاهد عن الخبر
قال الأصمعي :