فيا عم مهلا واتخذني لنوبة * تنوب ، فان الدهر جم نوائبه
أنا السيف الا أن للسيف نبوة * ومثلي لا تنبو عليك مضاربه
ومما يشبه خبر عبد اللّه بن سوار هذا ، وما حدثني عبد الواحد ابن محمد الحصيني قال : حدثني عبد اللّه بن محمد بن أحمد بن المدبر ، قال :
سمعت جدي أحمد بن المدبر يقول :
كنت أتقلد مجلس الاسكدار في ديوان الخراج ، وكانت نفسي تنازعني على أشياء لم تكن تنالها ، وكنت أرفع نفسي عن التعرض لكسب الخسيس ، فلما خرج المأمون إلى بلاد الروم ، سألني جعفر الخياط الخروج معه ، لاكتب بين يديه ، ففعلت على كره من أبي لذلك ، وجهد ألا أخرج فلم أطعه ، فدفع إلى بعض اخوانه الذين يثق بهم ، من حيث لا أعلم ، خمسة آلاف درهم ، وقال له : تكون هذه الدراهم معك من حيث لا يعلم بها أحد ، فان اختلت حاله ، أو رأيت به خصاصة ، عرضت عليه القرض ، وأسلفته حسب ما تراه صوابا ، على حسب ما تشاهد من حاله ، قال : فكنت يوما بين يدي جعفر أعمل ، حتى دخلت عريب الكبيرة اليه ، وكنت قد اكتملت ، فنظرت إلي ، فأطالت النظر ، وكنت غلاما ، فقالت لجعفر : من أين لك هذا الطير المراري ؟ فاستحييت وخجلت ونهضت ، وخرجت عريب ، فدعاني جعفر ، فقال : لعل ما كلمتك به هذه العيارة قد غمك . وأمر لي بعشرة آلاف درهم ، وما كنت رأيتها مجتمعة قط في ملكي ، فخرجت وما أعقل فرحا ، فاستبدلت بدابتي ، واشتريت بغلا يركبه غلامي خلفي ، فلما كان بعد أيام لقيني ذلك الصديق ، الذي كان أودعه أبي الدراهم ، فسألني عن خبري ورأى أثر حسن حالي ، فشرحت له أمري ، فخبرني بخبر المال الذي دفعه اليه أبي ، وقال : ما لمكانه الآن عندي وجه ، فوجه به إلي ، فرأيت حين جاءني أني في ذلك العسكر أجل من المأمون ، وكان ذلك أول مال اعتقدته ، ثم أتانا اللّه بما نحن فيه ، ولم يكن لذلك سبب غير كلمة عريب .
من كلام يحيى بن خالد وأفعاله :
وكان يحيى بن خالد يقول : التعزية بعد ثلاث تجديد للمصيبة ، والتهنئة بعد ثلاث استخفاف بالمودة .
وكان يحيى يقول : الناس يكتبون أحسن ما يسمعون ، ويحفظون أحسن ما يكتبون ، ويتحدثون بأحسن ما يحفظون .
وكان يحيى يقول : رسائل المرء في كتبه أدل على مقدار عقله ، وأصدق شاهدا على عيبه لك ، ومعتقده فيك ، من أضعاف ذلك على المشافهة والمواجهة .
وكان يقول : الكريم إذا تقرأ تواضع ، واللئيم إذا تقرأ تكبر ، والخسيس إذا أيسر تجبر .