فلما مضى له شهران جمعنا المال ! فقال لي أبي : امض إلى الشريف الحر الكريم ، فصرت به اليه ، فلما عرفته خبر المال غضب وقال : أكنت قسطارا لأبيك ، فقلت : لا ، ولكنك أحييته ومننت عليه ، وهذا المال قد استغنى عنه ، فقال : هو لك ، فعدت إلى أبي ، فقال : لا ، واللّه ، ما تطيب نفسي لك به ، ولكن لك منه مائتا ألف درهم ، فتشبهت به ، حتى صار خلقا لا تتهيأ لي مفارقته .
قال الواقدي :
دخل الفضل بن يحيى بن خالد على أبيه يتبختر في مشيته ، وأنا عنده ، فكره ذلك منه ، فقال لي يحيى : يا أبا عبد اللّه ، أتدري ما بقي الحكيم في طرسه ؟ قلت : لا ، قال : بقي الحكيم في طرسه أن البخل والجهل مع التواضع أزين بالرجل من الكبر مع السخاء ، فيا لها حسنة غطت على عيبين عظيمين ! ويا لها سيئة غطت على حسنتين كبيرتين ! ثم أومأ اليه بالجلوس .
قال أبو النجم القائد أحد الدعاة :
قلت لإبراهيم الموصلي : صف لي ولد يحيى بن خالد ، فقال لي : أما الفضل فيرضيك بفعله ، وأما جعفر فيرضيك بقوله ، وأما محمد فيفعل بحسب ما يجد ، وأما موسى فيفعل ما لا يجد .
وكان يكتب ليحيى بن خالد عبد اللّه بن سوار بن ميمون ، قال : فدعاني يحيى يوما ، فقال لي : أجلس فاكتب ، فقلت : ليس معي دواة ، فقال لي :
أرأيت صاحب صناعة تفارقه آلته ، وأغلظ لي في حرب أراد به حضي على الأدب ، ثم دعا بدواة ، فكتبت بين يديه كتابا إلى الفضل ، في شيء من أموره ، فظن أني متثاقل عن الكتاب بسبب تلك المخاطبة ، فأراد إزالة ذلك ، فقال لي : أعليك دين ؟ قلت : نعم ، قال : كم ؟ قلت : ثلاث مائة ألف درهم ، فأخذ الكتاب فوقع فيه بخطه :
وكلكم قد نال شبعا لبطنه * وشبع الفتى لؤم إذا جاع صاحبه
أن عبد اللّه يذكر أن عليه دينا يخرجه منه ثلاث مائة ألف درهم ، فقبل أن تضع كتابي من يدك ، فأقسمت عليك لما حملت ذلك إلى منزله من أحضر مال قبلك ، ان شاء اللّه . قال فحملهما الفضل إلي وما أعرف لها سببا غير تلك الكلمة .
وهذا الشعر لبشر بن المغيرة بن المهلب بن أبي صفرة ، كتبه إلى عمه ، وأوله :
جفاني الأمير والمغيرة قد جفا * وأمسى يزيد لي قد أزور جانبه
وكلكم قد نال شبعا لبطنه * وشبع الفتى لوم إذا جاع صاحبه